غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا يبشر الفجر في الأحياء الشرقية من مدينة غزة بيوم جديد، بل يكشف ما فعلته الدبابات تحت جنح الظلام، ومع أول خيوط الضوء، تظهر المكعبات الإسمنتية الصفراء وقد تقدمت إلى الأمام، فيما تتمدد السواتر الترابية أكثر. وكأن الأرض تستيقظ وقد اقتُطع منها جزءٌ جديد.
في حي الزيتون، لم يغمض لمحمد حمدية جفن طوال الليل، فأصوات القصف المدفعي، وحركة الدبابات التي كانت تتقدم أمام أعين الأهالي، جعلتهم يتجمدون في أماكنهم، عاجزين عن الفرار أو حتى التفكير.
يقول: "النهار كشف ما كانت تخفيه العتمة؛ تقدم جديد للمكعبات الصفراء، وفرصة أخرى لابتلاع المزيد من الأراضي، على مرأى ومسمع العالم الذي أقنع نفسه بأن حرب الإبادة الإسرائيلية انتهت في غزة".

لم يكن أمام الرجل وعائلته المكونة من سبعة أشخاص سوى الرحيل، نزوح جديد، يتحدث بأنه تجاوز الـ20 مرة منذ اندلاع الحرب، ويصف بأن الدمع جفّ بعيون زوجته من كثرة ما ودّعت البيوت والطرقات، لكنهم يدركون جميعًا أن البقاء يعني الموت، وربما أن يبقى جسد أحدهم ملقى في المكان، لا يجرؤ أحد على الوصول إليه أو انتشاله.
المشهد ذاته عاشته إيمان مشتهى في حي الشجاعية. بعد أن فقدت منزلها، قبلت العيش بين ما تبقى من جدرانه، بينما نصب جيرانها خيامهم فوق الركام.
تنام السيدة وتصحو وهي تتفقد أطفالها؛ لتتأكد أنهم لم تصبهم رصاصة طائشة، فيما يظل السؤال الوحيد الذي يطارد العائلة مع كل أمر إخلاء: "وين نروح؟".
لم تكن هناك مياه، ولا خدمات، ولا أدنى مقومات للحياة، لكنهم تمسكوا بالمكان باعتباره آخر ما يملكون، ورفضوا تركه خشية أن يتحول إلى أرض خالية يبتلعها الاحتلال، إلا أن ذلك لم يشفع لهم، إذ وجدوا أنفسهم مجبرين على النزوح مرة أخرى.
تقول إيمان: "الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل ساعات طويلة من الخوف". تنام السيدة وتصحو وهي تتفقد أطفالها مرارًا، لتتأكد أنهم لم تصبهم رصاصة طائشة، فيما يظل السؤال الوحيد الذي يطارد العائلة مع كل أمر إخلاء: "وين نروح؟".
ولا يقتصر التقدم الإسرائيلي على شرقي مدينة غزة، فبالتوازي، تتحرك الدبابات في أكثر من محور، مقتربة من شارع صلاح الدين شرقي المدينة، وكذلك في منطقة أبو العجين شرقي دير البلح، حيث تتقدم تحت غطاء من القصف المدفعي، وتدفع بالمزيد من المكعبات الإسمنتية، بينما يُجبر السكان على النزوح من مناطقهم.

ويتناقض هذا الواقع مع ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي حدد بقاء قوات الاحتلال في نحو 53% من مساحة القطاع خلال المرحلة الأولى، تمهيدًا لانسحاب تدريجي.
لكن، وفق المعطيات على الأرض، لم يُنفذ الاتفاق، بل توسعت السيطرة الإسرائيلية تدريجيًا، وأجبرت قرابة مليون فلسطيني على النزوح القسري مع تقدم الآليات العسكرية والغارات.
استمرار هذا التمدد سيترك السكان بلا ملاذ (..) المواطنون سيُدفعون تدريجيًا نحو البحر، وأن الاحتلال يواصل السيطرة على أجزاء متزايدة من المدينة؟
ويحذر المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، من أن استمرار هذا التمدد سيترك السكان بلا ملاذ، مشيرًا إلى أن المواطنين سيدفعون تدريجيًا نحو البحر، وأن الاحتلال يواصل السيطرة على أجزاء متزايدة من المدينة؟
ويطالب بصل الوسطاء بالتدخل العاجل، مؤكدًا أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن يجد الناس مكانًا يبقون فيه.
بحلول ديسمبر/كانون الأول، ارتفعت مساحة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من 53% إلى 58%.
وفي أبريل/نيسان الماضي، رصدت صحيفة "الغارديان" توسع هذا الخط داخل القطاع، محذرة من أن آلاف المدنيين يستيقظون ليجدوا أنفسهم فجأة داخل ما تصنفه دولة الاحتلال "منطقة إطلاق نار"، وبحلول ديسمبر/كانون الأول، ارتفعت مساحة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من 53% إلى 58%، قبل أن يستمر التوسع بعد ذلك.
ولا يقتصر "الخط الأصفر" على المكعبات الإسمنتية التي تُنقل باستمرار، بل يمتد إلى سواتر ترابية طويلة توفر مواقع مرتفعة للقناصة والدبابات، بطول يزيد على عشرة أميال، إلى جانب إنشاء 32 موقعًا عسكريًا محصنًا، في مشهد يعزز المخاوف من أن يتحول هذا الواقع إلى أمر دائم، وسط تقديرات فلسطينية بأن مناطق الخط الأصفر تقدر بـ70٪ من مساحة القطاع.
























