شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 يوليو 2026م19:12 بتوقيت القدس

عين الكفيفات وأقدامهن.. أصابها الصاروخ!

02 يوليو 2026 - 16:55

قطاع غزة:

لا تسأل فريال منية (68 عامًا) الأطباء عن موعد خروجها من المستشفى، ولا عن عدد العمليات التي تنتظرها، ولا حتى عن الساق التي فقدتها جراء استهداف منزلها في مدينة غزة؛ سؤالها الوحيد يتكرر كل صباح: "كيف تدبر بناتي أمورهن؟"

في سريرها داخل مجمع الشفاء الطبي، يبدو الألم أقل ما يشغلها، فمنذ سنوات طويلة، اعتادت أن تكون عيون ثلاث من بناتها الكفيفات، تحفظ خطواتهن كما تحفظ أسماءهن، وتمسك بأيديهن في الطريق، وتعرف احتياجاتهن قبل أن ينطقن بها، أما اليوم، فقد أصبحت عاجزة عن الوصول إليهن.

تتحدث لـ"نوى": "حين أخبروني أن ساقي بُترت، لم أفكر بنفسي. أول ما خطر في بالي: من سيرعى بناتي؟"، حيث تُعرف فريال في حيها بلقب "أم البنات". كرّست عمرها لتربية تسع بنات، ثلاث منهن فقدن نعمة البصر ويحتجن إلى رعاية يومية دقيقة، من أبسط تفاصيل الحركة داخل المنزل، إلى الخروج لقضاء الاحتياجات، وحتى ترتيب الملابس وإعداد الطعام.

في مساء الخامس عشر من مايو/أيار عام 2026، تبدل كل شيء، كانت الأسرة داخل منزلها عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية المبنى الذي تقطنه بالصواريخ. انهارت الجدران خلال ثوانٍ، واختلط الغبار بالصراخ، وتحول البيت الذي احتضن العائلة سنوات طويلة إلى كومة من الركام.

ما أكثر شيء تذكرينه في لحظات الاستهداف الأولى؟ تخبرنا فريال: "شعرت أن الدنيا كلها سقطت فوق رأسي. كنت فقط أنادي على بناتي، ثم غبت عن الوعي".

استفاقت في المستشفى لتجد أن الأطباء اضطروا إلى بتر ساقها اليمنى من فوق الركبة لإنقاذ حياتها، بعد إصابات بالغة شملت تهشمًا في عظام الوجه، وإصابات قرب العين والأذن، وكسورًا في اليد والقدم، وجروحًا متفرقة في أنحاء جسدها.

لكن أكثر ما يؤلمها ليس فقدان الساق، موضحة: "أنا تعودت أن أكون أيدي بناتي وأقدامهن. اليوم أخشى أن يحتجن إليّ ولا أستطيع الوصول إليهن".

داخل المنزل، ترك غيابها فراغًا لا يملؤه أحد، فالبنات الثلاث اعتدن أن تبدأ أيامهن بصوت والدتهن، التي تقودهن بين الغرف، وتساعدهن في ارتداء الملابس، وتعد الطعام، وترافقهن في كل خروج، كانت تحفظ تفاصيل البيت كما تحفظ مساراتهن داخله، وتعرف متى تحتاج كل واحدة منهن إلى المساعدة حتى قبل أن تطلبها.

تزيد فريال: "كنت أعرف من نبرة الصوت إن كانت إحداهن تحتاجني. اليوم أشعر أنهن من يدفعن ثمن إصابتي أكثر مني".

أما زوجها، حمدي منية، فما زالت تلك الليلة تطارده بكل تفاصيلها، يقول لـ"نوى": "فجأة بدأ القصف على العمارة بعدة صواريخ. لم أعد أرى شيئًا من كثافة الغبار. كنت أركض بين الركام أبحث عن زوجتي وبناتي، ولا أعرف إن كنت سأجدهن أحياء."

ويكمل: "كانت لحظات توقف فيها الزمن"، مشيرًا إلى أن الجيران وصلوا بلحظتها، وانتشلوا فريال من تحت الأنقاض، قبل أن تنقلها سيارات الإسعاف إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث دخلت مباشرة إلى غرفة العمليات.

بعد ساعات طويلة، خرج الأطباء بقرار لم يكن أمامهم بديل عنه وهو بتر الساق لإنقاذ حياتها، يتنهّد الرجل ويتابع "الحمد لله أنها بقيت على قيد الحياة، لكن حياتنا كلها تغيرت".

يشرح عن زوجته أكثر: "لم تكن تقوم بالأعمال المنزلية فقط، بل كانت النظام الذي تسير عليه حياتنا كلها. البنات الكفيفات يعتمدن عليها في معظم تفاصيل يومهن، ولا أحد يستطيع أن يعوض وجود الأم، مهما حاول".

اليوم، تتلقى فريال جلسات العلاج والتأهيل، بينما يؤكد الأطباء أن رحلة تعافيها ستكون طويلة، وستحتاج إلى علاج طبيعي مكثف، وتأهيل للحركة، وعمليات إضافية لإصابات الوجه والعين والأذن.

وبين مواعيد العلاج والألم اليومي، تكبر مخاوفها أكثر من جراحها، إذ لا تطلب منزلًا جديدًا، ولا تتحدث عن خسائر الحرب، ولا عن سنوات العمر التي تبدلت في لحظة، بل تتمنى "أريد فقط أن أرجع إلى بناتي.. حتى لو لم أستطع المشي كما كنت، أريد أن أكون بقربهن".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير