شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 اعسطس 2026م17:36 بتوقيت القدس

ركوب الأمواج.. مقاومة نفسية فوق مياهٍ مُحاصرة

17 اعسطس 2026 - 13:52

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ينظر عبد الرحيم الأستاذ (19 عامًا) بانكسار، إلى لوح ركوب الموج الذي عاد به من البحر قبل أسبوعين بأجزاء معطوبة. يتكلم بحرقة وهو يشرح كيف أن هذه الكسور يمكن أن تفقده -في لحظة- نافذته الوحيدة إلى شيء يشبه الحياة التي يريدها بغزة.

يحمل عبد الرحيم لوحه إلى البحر، باحثًا عن مساحة يستطيع فيها أن يرى الأفق، بعيدًا عن ازدحام الخيام وأطنان الركام التي غيّرت وجه المدينة، لعله يجد دقائق لا تبدو فيها الحرب هي المشهد الوحيد.

يقول لـ"نوى": "بدل الشواطئ المفتوحة والمعدات المتوفرة، نشأت التجربة الغزية بجهود فردية وسط قيود الحركة ونقص الإمكانات وصعوبة إدخال المعدات وصيانتها".

ووفق الأستاذ، فقد دخلت إلى قطاع غزة قبل نحو ستة عشر عامًا، 17 لوحًا لركوب الأمواج بصعوبة بالغة، مستدركًا: "لكن اليوم، لم يبقَ في القطاع سوى ثلاثة ألواح، بعدما تدمر بعضها وتعذر إصلاح بعضها الآخر أو توفير المعدات اللازمة لصيانته".

ويضيف: "مع مرور السنوات تحول الحفاظ على اللوح الرياضي إلى تحدٍ بحد ذاته، في ظل غلاء مادة الفيبر جلاس التي نستخدمها لإصلاحه، وكذلك اعتمادنا على شمع الإنارة المنزلي بدلًا من الشمع المخصص لهذه الرياضة، وهو الأساس في الوقوف على اللوح ومحاولة الاتزان".

في المدينة الساحلية المحاصرة، تبدو المفارقة قاسية، فالبحر قريب إلى حد أن تراه العين، لكن الوصول إلى ما تحتاجه ممارسة رياضة بحرية بسيطة ليس أمرًا متاحًا.

لا أكاديميات متخصصة لتدريب هواة ركوب الأمواج، ولا معدات متوفرة، وإصلاح اللوح نفسه قد يتحول إلى مشكلة، فيما يبقى الخوف من الاستهداف في عرض البحر حاضرًا في ذهن من يبتعد عن الشاطئ.

الإحساس بالحرية أيضًا، هو ما جذب خليل أبو جياب (18 عامًا)، إلى تلك الرياضة منذ طفولته.

كان خليل في الخامسة عندما بدأ والده يصطحبه إلى البحر ويدربه على ركوب الأمواج. لم يكن يتعلم حينها طريقة الوقوف على اللوح أو الحفاظ على توازنه فوق الموج فحسب، بل كان يرى في الأمر هوايةً تكبر معه، حتى صار قادرًا على ممارستها بمهارة.

في بداياتها، لم تكن الرياضة مألوفة لكثير من مرتادي شواطئ بحر غزة. كان بعضهم ينظر إلى الشباب الذين يحملون ألواحهم إلى البحر باستغراب، قبل أن تبدأ هذه الصورة في التغير مع الوقت.

يعقب: "مع الوقت بدأ الناس يفهمون أنها رياضة تحتاج إلى مهارة ولياقة وتركيز، ويمكن أن تتطور إذا توفرت لها الظروف المناسبة".

لكن الظروف لم تكن في صالحها -بحسب تعبير أبو جياب- ففي قطاع غزة، حيث الحصار، ونقص المعدات، وصعوبة الصيانة، وغياب التدريب المتخصص، جعلت من ممارسة ركوب الأمواج شغفًا يصعب تحويله إلى مسار رياضي حقيقي.

ويقول: "هذه الرياضة استهوت عددًا من الشباب لأنها تمنحهم شعورًا بالحرية والانطلاق، وهو شعور يبدو أكثر قيمة في مدينة عاش أهلها سنوات من القيود والحروب والنزوح"، متابعًا بتأثر: "نريد أن يرى العالم جانبًا آخر من غزة.. جانب الإنسان الذي يحب الحياة ويحاول صناعة مساحة من الأمل رغم كل الصعوبات".

يحلم الشاب بالمشاركة في بطولات عالمية، والتدرب مع محترفين، واكتساب الخبرات التي تمكنه من تطوير مستواه، في ظل واقعٍ يحتاج إلى أكثر من الموهبة والرغبة.. لوحٌ صالح، ومعدات يمكن إصلاحها، ومساحة آمنة للتدريب، وفرصة للوصول إلى العالم خارج حدود القطاع.

ومع كل موجة تعود إلى شاطئ غزة، يحمل عبد الرحيم وخليل ألواحهما إلى الماء، كما لو أنهما يحاولان استعادة شيء لم تستطع الحرب أن تمنحهما إياه، وهو الإحساس بأن لهما حياة تتجاوز الخوف، ومساحة يتحرك فيها الجسد بحرية، ويتسع فيها الأفق قليلًا.

كاريكاتـــــير