شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 اعسطس 2026م14:09 بتوقيت القدس

على بساطٍ نجا من الإبادة.. الكاراتيه يستعيد حضوره بغزة

18 اعسطس 2026 - 11:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كان السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023م يومًا عاديًا في حياة آية النونو، لكنه قرر أن يكون "الأخير" الذي كون آخر يوم تضع فيه قدماها على بساط الكاراتيه لأكثر من عامين.

في ذلك اليوم، كانت الشابة العشرينية تخوض تصفيات بطولة فلسطين، بعدما أمضت نحو عشرة أعوام في التدريب والمنافسات وحصلت على الحزام الأسود "دان 1".

أحرزت آية (20 عامًا) المركز الثاني في "الكوميتيه" والثالث في "الكاتا"، وكانت النتائج تؤهلها للمشاركة في بطولة فلسطين التي تجمع لاعبي قطاع غزة والضفة الغربية، لتقترب للمرة الأولى من حلمها بتمثيل فلسطين ورفع علمها في المحافل الرياضية.

لكن في اليوم التالي اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية، وتشتت اللاعبون والمدربون، ودُمرت الصالات والأندية، وتوقفت التدريبات والبطولات، وغاب الحلم كما غابت الأماكن وغاب الأحبة.

تقول آية لـ "نوى"، وهي طالبة في تخصص القانون باللغة العربية بجامعة الأزهر بغزة: "غياب الأماكن المناسبة والمعدات حال دون العودة المنتظمة إلى التدريب حتى خلال فترات وقف إطلاق النار".

وتضيف: "لاعبو الكاراتيه في غزة يفتقدون المساحة المناسبة والأدوات التي كانت تستخدم لتطوير السرعة والقوة والتحمل".

ومع ذلك، لم تفقد شغفها، ففي الآونة الأخيرة، وبجهود المدربين والاتحاد الفلسطيني للكاراتيه، أقيمت بطولة داخلية ضمت لاعبين من مختلف أندية قطاع غزة، شكلت خطوة أولى لإحياء اللعبة واستعادة اللاعبين لشغفهم.

بدأت آية بممارسة الكاراتيه قبل نحو عشرة أعوام، إلى جانب هواياتها في السباحة والدبكة وفن الإلقاء والمناظرات. وخلال مسيرتها حصلت على المركز الأول في "الكاتا" و"الكوميتيه" في بطولة "نادي غزة الرياضي" عام 2017م، والأول في "الكوميتيه" عام 2018م، والثاني في بطولة "الشيخ جراح" على مستوى قطاع غزة عام 2021م، والثالث في بطولة قطاع غزة عام 2022م.

وفي سبتمبر/أيلول 2023م، حصلت على المركز الثاني في "الكوميتيه" والثالث في "الكاتا" في تصفيات بطولة فلسطين، وكانت على وشك خوض البطولة بين غزة والضفة لأول مرة، قبل أن توقف الحرب حلمها، كما أكملت هذه الفتاة الطموحة بنجاح دورة المدرب المستجد التي عقدت في غزة في يوليو/تموز من العام الجاري.

لكن تجربة آية تعكس خسارة أوسع لحقت برياضة الكاراتيه في القطاع، وفق الدكتور عماد حماد، الأستاذ الجامعي والمدرب الخبير في اللعبة، والمدير الفني للاتحاد الفلسطيني للكاراتيه في المحافظات الجنوبية.

بدأ حماد ممارسة الكاراتيه عام 1979م في مدينة العريش المصرية، وحصل على الحزام الأسود عام 1985م، قبل أن يصل إلى "الدان الثامنة" عام 2022م. وبدأ التدريب عام 1985م، وانتقل إلى غزة عام 1997م، وكرس أكثر من ثلاثة عقود من حياته لإعداد اللاعبين والمدربين والحكام وبناء كوادر أصبحت تقود أندية ولجانا فنية في فلسطين.

يوضح حماد لـ "نوى" أن الحرب دمرت منزله بالكامل، وضاعت معه صور ووثائق وأوسمة وشهادات توثق مسيرته الرياضية.

وعلى مستوى اللعبة، فقدت رياضة الكاراتيه عددًا من اللاعبين والمدربين والحكام، وأصيب آخرون، فيما دُمرت معظم الصالات والأندية ومراكز التدريب، وتوقفت الأنشطة لأشهر طويلة، ما أثّر في المستوى الفني والنفسي للاعبين.

ورغم ذلك، قرر المدربون واللاعبون عدم انتظار الظروف المثالية، وبدأوا بإمكانات بسيطة، ونظموا تدريبات ودورات تأهيلية لإعادة بناء الكوادر. وكانت دورة المدربين والحكام المستجدين بعد الحرب رسالة بأن الكاراتيه ما زالت حية، يضيف.

وكان العثور على أماكن للتدريب أحد أصعب التحديات، فاحتضن "نادي المشتل الرياضي" لقاءات وأنشطة الاتحاد، ثم استأنف "نادي النجوم الرياضي" التدريبات بصورة منتظمة، فيما احتضن "مركز متعة التعلم" تدريبات أكاديمية العميد للكاراتيه – نادي غزة الرياضي، وأسهمت الدورات التدريبية هناك في استقطاب لاعبين جدد وتأسيس "أكاديمية أنامل للكاراتيه". كما احتضنت "المدرسة البريطانية" دورة المدربين والحكام المستجدين.

اليوم عادت التدريبات في غزة ودير البلح والنصيرات وخانيونس، ووفقًا لحماد يوجد حاليًا ما لا يقل عن 20 ناديًا وأكاديمية ومركزًا رياضيًا تمارس فيها الكاراتيه بصورة منتظمة، رغم النقص الشديد في الصالات المتخصصة والأرضيات والمعدات.

ويؤكد أن الإقبال عاد بصورة مشجعة، خصوصًا من الأطفال والناشئين، مع مشاركة مميزة للفتيات، في ظل إدراك الأهالي لدور الرياضة في دعم الصحة النفسية والجسدية بعد الحرب.

آية هي واحدة من هؤلاء، وقد عادت إلى بساط الكاراتيه بشغف كبير. وهذه المرة لا تستعيد رياضتها فحسب، بل تحاول استعادة حلمها أيضًا.

قد تكون آية خسرت سنوات من التدريب، وفقدت الصالات والمعدات والبطولات، لكن حلمها لم يُهدم، فهي لا تريد فقط أن تعود إلى البساط، بل تريد أن تصل إليه وهي أكثر قوة، وأن تستعيد مكانها بين المنافسين، وأن تحقق يومًا ما حلم المشاركة باسم فلسطين في بطولة خارج غزة.

وبينما تحاول رياضة الكاراتيه في غزة أن تعيد بناء صالاتها وأنديتها وكوادرها، تحاول آية، مثل كثير من الرياضيين، أن تعيد بناء ذاتها الرياضية أيضًا.

وبالنسبة إليها ولغيرها من الشباب والفتيات فإن العودة ليست مجرد استئناف للتدريب، بل استعادة لحلم تأجل بفعل الحرب، وإصرار على البقاء رغم الإبادة التي لا تزال مستمرة.

كاريكاتـــــير