قطاع غزة:
بين آلاف الطلبة الذين جلسوا هذا الأسبوع لتقديم امتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة، كان عبيدة الشنباري (18 عامًا) يخوض امتحانًا مختلفًا، إذ لم يكن يخشى سؤالًا استعصى عليه، بقدر ما كان يخشى أن ينقطع الإنترنت، أو أن يعود إلى خيمته دون طعام لإخوته، أو أن يخذله جسده الذي أنهكته شهور من العمل والركض خلف المساعدات.
وحكاية عبيدة مع الثانوية العامة لم تبدأ يوم الامتحان، بل قبل نحو عامين، حين خرج من منزله في بيت حانون مع والدته وإخوته، وبقي والده خلفهم يحرس البيت، بعد أيام، اعتُقل الأب، وأصبح الفتى، وهو في السادسة عشرة، المعيل الوحيد لعشرة أفراد.
يعود بذاكرته إلى الأيام الأولى للإبادة الإسرائيلية، قائلًا إن كل شيء انقلب رأسًا على عقب منذ ذلك اليوم، وجد نفسه في دوّامة مسؤولية الأسرة ورغبته في إكمال تعليمه الذي توقف عامين متتالين نتيجة الظروف، ظل يحاول إلى أن تقدم أخيرًا.
كان الطالب يستيقظ قبل شروق الشمس ليستفيد من ضوء النهار، ثم يخرج للعمل حتى المساء، قبل أن يعود محاولًا مراجعة ما يستطيع من دروسه
وبطبيعة الحال في الخيام، يخبرنا أن الدراسة داخل المخيم لم تكن سهلة؛ فلا كهرباء مستقرة، ولا اتصال جيد بالإنترنت، ولا مكان هادئ يذاكر فيه وسط الازدحام والضجيج المتواصل.
كان الطالب يستيقظ قبل شروق الشمس ليستفيد من ضوء النهار، ثم يخرج للعمل حتى المساء، قبل أن يعود محاولًا مراجعة ما يستطيع من دروسه، حتى الكتب لم تصل إليه بسهولة، ويضيف هنا: "اضطررت إلى شراء الملازم الدراسية بكلفة قاربت 800 شيكل، بعدما تعذر الحصول على المواد التعليمية إلكترونيًا بسبب ضعف الإنترنت".
"يا ليتها أكبر المأسي" يسخر ويكمل: "تعطّل الهاتف الوحيد في الأسرة، وهو هاتف أمي، صرت أستعير هواتف الأقارب والجيران لمتابعة الدروس، فيما أواصل ارتياد النقاط التعليمية والدروس الخصوصية كلما سنحت لي الفرصة".
وحين جاء موعد امتحانات الثانوية العامة، اضطر عبيدة إلى تقديمها إلكترونيًا من أحد المقاهي التي تبعد نحو نصف ساعة عن المخيم، لأن خدمة الإنترنت هناك كانت أفضل قليلًا، لكن حتى ذلك لم يكن كافيًا، إذ انقطع الاتصال أكثر من مرة أثناء الامتحان، وتحولت الدقائق المخصصة للإجابة إلى سباق مع الوقت والخوف من ضياع عام كامل.
غير أن أصعب ما واجهه الفتى لم يكن الامتحان، بعد اعتقال والده، حيث عمل في أحد مطابخ التكايا، بعدما تعلم إعداد الطعام على يد أحد أقاربه، كان يقضي ساعات طويلة في إعداد الوجبات للنازحين، قبل أن يعود ليلًا محاولًا استعادة تركيزه بين دفاتر الدراسة.
استمر في ذلك حتى توقفت المطابخ المجتمعية عن العمل مع تفاقم المجاعة، فلم يجد خيارًا سوى التوجه إلى مناطق توزيع المساعدات الغذائية، التي يصفها الناس في القطاع بـ"مصائد الموت".
يتحدث: "كنا نعرف أننا ذاهبون إلى مكان قد لا نعود منه، نركض خلف كرتونة مساعدات، بينما الرصاص ينهمر، والطائرات المسيّرة تحلق فوق رؤوسنا. أحيانًا نعود بطرد غذائي، وأحيانًا نعود بلا شيء".
أما عن أكثر المشاهد التي لن تفارقه ما حيا -وفق وصفه-،: "أحد جيراني رفع رأسه ليرى إن كانت شاحنات المساعدات قد وصلت، فأصابته رصاصة مباشرة، حملناه وعدنا به شهيدًا".
في تلك المرحلة، تراجعت الدراسة إلى آخر قائمة أولوياته، أصبح همه الوحيد أن يجد ما يطعم به إخوته، مشيرًا: "كنت أعمل وأخاطر بحياتي من أجلهم، بينما كان من المفترض أن يكون كل همّي هو الثانوية العامة."
وبعد أشهر طويلة، عاد والده إلى العائلة مع الإفراج عنه ضمن الهدنة التي أبرمت في أكتوبر عام 2025، لكنه عاد منهكًا بآثار التعذيب
وبعد أشهر طويلة، عاد والده إلى العائلة مع الإفراج عنه ضمن الهدنة التي أبرمت في أكتوبر عام 2025، لكنه عاد منهكًا بآثار التعذيب، فاقدًا السمع في إحدى أذنيه، ومصابًا في يده اليمنى التي احتاجت إلى صفائح معدنية، ولم يعد قادرًا على العمل، فيما لا تزال الأسرة عاجزة عن توفير العلاج الذي يحتاجه.
ولا تتوقف معاناة العائلة عند ذلك، فأربعة من أشقاء عبيدة يعانون تشوهًا خلقيًا في قرنية العين، ويحتاجون إلى عمليات زراعة قرنيات وعدسات وفحوص طبية تفوق تكلفتها قدرة الأسرة، التي ما تزال تعتمد على ما يتوفر من وجبات التكايا والمساعدات المحدودة.
ورغم كل ما مر به، لا يتحدث عبيدة عن الحرب بوصفها نهاية لحلمه، بل طريقًا أطول للوصول إليه، لافتًا: "أشعر أنني تحملت مسؤوليات أكبر من عمري، لكنني تعلمت أشياء كثيرة. أريد أن أكمل دراستي، وأصبح شيفًا محترفًا، العمل في المطبخ لم يمنحني مصدر رزق فقط، بل منحني شعورًا بأنني أستطيع أن أساعد الناس."
























