شبكة نوى، فلسطينيات: غزة- إسراء العرعير
خاص لـ"فلسطينيات"
تجلس الفتاة الغزية مي أبو نحل وسط خيمة صنعها والدها من "النايلون" وبعض الأقمشة لإيواء أفراد أسرته وليرمم قلوبهم الخائفة في مدرسة للاجئين غربي غزة، بعد أن نزحوا إليها من بين ركام منزلهم الذي دمرته طائرات الاحتلال الحربية في منطقة جباليا شمال القطاع.
تفتش "مي" بين أغراض النزوح القليلة عن حقيبتها التي حملتها لحظة هروبها من الموت وقصف منزلها، وحرصت منذ بداية الحرب أن تضع فيها كتبها المدرسية كافة.
تتفقد أقلامها ودفاترها أيضا، وبرغم ما واجهته مع عائلاتها منذ بدء الحرب، لا تزال الفتاة تعتقد أنها تحمل في هذه الحقيبة سلاحها الأقوى في وجه آلة الموت التي "تدمر كل ما هو جميل في قطاع غزة" حسب وصفها.
تقول مي لـ "فلسطينيات" "في بداية الحرب لم أتوقع أن هذه الأيام ستطول، احتفظت بحقيبتي التي كنت قد جهّزتها بجانبي ووضعت بها كتبي وكوفيتي الفلسطينية خشية القصف وخروجنا من المنزل".
وباعتبارها طالبة في الثانوية العامة بالفرع العلمي، تقول مي "هذه سنة مهمة في حياتي وبداية تحقيق حلمي بدراسة الطب".

مقعد في ممر النازحين
وبعد محاولات حثيثة، تمكّنت والدتها "أم رامي" من العثور على كرسي وطاولة لتجلس عليها مي في ممر المدرسة بجانب خيمة النايلون، لتراجع دروسها ولتحثها على متابعة اجتهادها، رغم ضجيج المئات من النازحين في المدرسة.
بمشهدها تتخذ من المقعد زاوية للدراسة والاجتهاد يوميا، تعطي "مي" الكثير من القوة لكل من حولها، وترسل لهم رسالة أن الحياة ستكون "كما نريد لا كما يريد المحتل" كما تقول.
على غطاء هاتفها، لا تزال مي تحتفظ بحلمها مكتوبا في عبارة صغيرة تعرّف عنها "الدكتورة مي محمد أبو نحل". تراقبها أثناء دراستها كي لا ينجح صوت الطائرات في أن يحيدها عن هذا الحلم.
تُعرف مي أبو نحل أيضا كشاعرة، وحصلت على عدة جوائز دولية رغم صغر سنها. وكتبت في أحد أشعارها:
"أنا فلسطينية، سأصدح بها بكل لسان
أنا عربية الهوية والبيان
أنا العريقة على مر الزمان
أنا لكل خير لسان
أنا قولي فكرٌ وصمتي بيان
أنا إن نطقتُ فالشعرُ مني قد كان.

زميلات في النزوح
تصادف مي في ممر مركز الإيواء قرينات لها من طالبات الثانوية العامة، فيثير استغرابهن مثابرتها على متابعة دراستها، رغم الحرب وتعطّل المسيرة التعليمية. لكنها تنجح الجلوس إليهن ليراجعن ما علق في ذاكرتهن من دروس لم تمحوها آثار الحرب الإسرائيلية.
ولكن، سرعان ما تفرّ البنات كل إلى خيمة نزوح عائلتها مع أصوات الصواريخ، وتبقى مي وحدها متمسكة بـ "سلاحها" كتبها الدراسية.
بين هذه الخيام، تصادف مي إحدى معلماتها التي تشجعها على متابعة دروسها، وتعطيها بعض النصائح لتستمر دون انقطاع. قالت لها المعلمة "إن هذا المر الذي نعيشه سيمر وسنعود لمدرستنا ولن نبقى في بيوت الإيواء"، في محاولة لرفع معنوياتها وحثها على مواصلة الدراسة.
ورغم مآسي الحرب من حولها، تواظب مي على حل معادلات الرياضيات وقوانين الفيزياء؛ في حين لم يستطع العالم بأسره أن يحل قوس الظلم والموت الذي يلقي بثقله على الأبرياء في غزة.
ولسان حالها يقول "ستنتهي الحرب وسنعود لحياتنا الطبيعية، وسأحقق حلمي وسيزول الاحتلال عن أرضنا".
























