شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 31 مايو 2026م20:22 بتوقيت القدس

"مختبرات خارج الخدمة" أزمة تهدد مسار التشخيص والعلاج في غزة

31 مايو 2026 - 07:15

داخل المختبر الطبي في مجمع الشفاء، يستعد محمد مطر لسحب عينة دم جديدة، وعلى وجهه أثر الإرهاق من كثرة الفحوصات، يقبض الأخصائي على آخر ما تبقى من المحاقن المهددة بالنفاذ، في ظل استمرار منع الاحتلال الإسرائيلي دخول المستلزمات الطبية والمخبرية إلى قطاع غزة.

لم يكن مطر (30 عاماً) يتخيل أنه سيغدو واحداً من ضحايا الحرب الإسرائيلية الممنهجة ضد المنظومة الصحية، بعد أن أصيب خلال انتظاره للمساعدات، فتكسّرت عظام جمجمته ويده، وبات جسده الجريح عاجزاً عن مقاومة الالتهابات، ما يجعله بحاجة لإجراء أربعة فحوصات أسبوعياً ، يُجريها في مختبرات عامة تفتقر إلى المستلزمات المخبرية الأساسية، مما قد يُعطّل رحلته العلاجية.

11 ألف مريض سرطان، وقرابة 350 ألف مريض بالأمراض المزمنة، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى الذين يناشدون بتوفير المعدات المخبرية اللازمة لاستكمال علاجهم.

لا يختلف وضع مطر عن أكثر من 11 ألف مريض سرطان، وقرابة 350 ألف مريض بالأمراض المزمنة، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى الذين يناشدون بتوفير المعدات المخبرية اللازمة لاستكمال علاجهم.

تؤكد سحر غانم، مدير وحدة المختبرات وبنوك الدم في وزارة الصحة بغزة، تراكم أزمة المختبرات نتيجة شح المواد الداخلة إلى القطاع، إذ بلغت نسبة العجز 87% من إجمالي المخزون الواجب توفره لتقديم الخدمات المخبرية في كافة التخصصات، شاملةً المستشفيات والرعاية الأولية والمختبر المركزي.

نقص حاد في المستهلكات الداعمة للعمل المخبري، من الأنابيب والشرائح الزجاجية وصولاً إلى المواد التشغيلية للأجهزة، التي وصلت نسبة العجز فيها إلى 76% وفق تقرير وزارة الصحة

وتُشير غانم إلى نقص حاد في المستهلكات الداعمة للعمل المخبري، من الأنابيب والشرائح الزجاجية وصولاً إلى المواد التشغيلية للأجهزة، التي وصلت نسبة العجز فيها إلى 76% وفق تقرير وزارة الصحة الصادر في أبريل الماضي.

وتكشف غانم أن أزمة المعدات أنهكت الطواقم المخبرية، لا سيما في ظل نقص "الكنترولات" الضابطة للجودة، مما اضطر الأخصائيين في بعض الأحيان إلى إجراء فحوصات بديلة تأكيدية للوصول إلى نتائج دقيقة.

53% من أجهزة المختبرات خرجت عن الخدمة، بعد أن دمّر الاحتلال كثيراً منها بما فيها المختبر المركزي، فيما تعطّلت أجهزة أخرى دون إمكانية إصلاحها لغياب قطع الغيار عن القطاع.

أما على صعيد الأجهزة، تُفيد غانم بأن 53% من أجهزة المختبرات خرجت عن الخدمة، بعد أن دمّر الاحتلال كثيراً منها بما فيها المختبر المركزي، فيما تعطّلت أجهزة أخرى دون إمكانية إصلاحها لغياب قطع الغيار عن القطاع.

وتُحذّر غانم من انعكاس هذه الأزمة على الخطط العلاجية للمرضى، تشخيصاً ومتابعةً وتعديلاً للجرعات، لا سيما مرضى الغدة الدرقية والتشنجات والطوارئ والعناية المركزة والأورام والكلى، الذين تستلزم حالاتهم متابعة دورية منتظمة.

ولا تبدو الصورة أفضل حالاً في القطاع الخاص، وفق ما تصف أخصائية التحاليل الطبية ياسمين حرارة إذ أن انقطاع الكهرباء دفع المختبرات إلى تقليص وقت تشغيل أجهزتها حفاظاً على الطاقة والمحاليل، مما أثّر على مواعيد إجراء الفحوصات وأوقات تسليم النتائج.

وتُضيف حرارة أن جهاز الهرمونات توقف كلياً بسبب نفاد المحاليل الخاصة به، كما شهدت أجهزة تعداد الدم الكامل (CBC) نقصاً في الكواشف اللازمة لتشغيلها، وتتضرر فئة الأطفال بشكل خاص من غياب الأقراص العلاجية اللازمة لتحليل هرمون النمو، مما يُؤخّر مسار علاجهم.

شح أنابيب الفحص بأنواعها كافة، من أنابيب الفصل إلى أنابيب الكيمياء، مما اضطر المختبرات إلى استخدام أنابيب بلاستيكية بديلة بلا أغطية تنطوي على مخاطر صحية

وتلفت حرارة إلى أن الاحتلال يتعمّد شلّ العمل المخبري بالسماح بدخول بعض المستلزمات ومنع أخرى، فغابت عن غزة فحوصات أساسية كترسيب الدم ودلالات الأورام والروماتزم وجرثومة المعدة وحساسية القمح وأمراض المناعة، وتقول "غياب التحليل يترك المريض في صراع داخلي حول حالته."

وعلى صعيد المستلزمات، تُشير حرارة إلى شح أنابيب الفحص بأنواعها كافة، من أنابيب الفصل إلى أنابيب الكيمياء، مما اضطر المختبرات إلى استخدام أنابيب بلاستيكية بديلة بلا أغطية تنطوي على مخاطر صحية للأخصائيين، فيما حلّت الأكواب البلاستيكية محل العبوات المخصصة لعينات البول. وتزداد الأزمة تعقيداً بندرة الإبر والمحاقن وصعوبة توفير المعقمات والقطن والكحول، بينما تضطر بعض المختبرات إلى شراء أجهزة لا تحتاجها أصلاً فقط للحصول على مستلزماتها كبديل للمفقود.

من جهتها، تُوضح الأخصائية إسلام البحطيطي أن التحاليل المخبرية تُشكّل ركيزة أساسية في تشخيص الأمراض ذات الأعراض المشتركة، مشيرةً إلى أن 80% من الأمراض يعتمد تشخيصها وعلاجها على نتائج الفحوصات.

ندرة حادة في المواد اللازمة لفحوصات الخزعات الخاصة بمرضى السرطان، التي تُحدد نوع المرض ودرجته وتوجّه مسار العلاج، فضلاً عن شح فحوصات مشاكل التبويض

وترصد البحطيطي ندرة حادة في المواد اللازمة لفحوصات الخزعات الخاصة بمرضى السرطان، التي تُحدد نوع المرض ودرجته وتوجّه مسار العلاج، فضلاً عن شح فحوصات مشاكل التبويض. كما يتوقف تشخيص بعض المرضى على صور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية (CT)، وهي فحوصات غير متاحة في القطاع.

وتُنبّه البحطيطي إلى أن عمليات التلقيح والحقن المجهري باتت أمام عقبات كبيرة، في ظل غياب مواد الزراعة والتحاليل المرتبطة بها والبيئة الملائمة لإجرائها. ويزيد من تعقيد المشهد عجز كثير من المرضى عن تحمّل تكاليف التحاليل في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير