شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م23:33 بتوقيت القدس

نداءات لإنشاء المزيد منها وإعادة تأهيل "الحكومية"..

المشافي الميدانية.. "حجر الزير" الذي سنَدَ قطاع الصحة!

17 مارس 2025 - 10:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قصفٌ إسرائيليٌ جنوني من البر والبحر والجو طال مخيم النصيرات يومذاك. أطفالٌ ونساءٌ ومسنون يصرخون في الأزقة ويركضون دون وجهة، بينما البيوت خلفهم تنهار تحت زخات الصواريخ المتلاحقة. حدث ذلك في يونيو/ حزيران 2024م.

في ذلك اليوم، ترك عبد الله علي (١٨ عامًا) بسطته في سوق النصيرات، وتوجه مسرعًا إلى الشقة التي استأجرتها عائلته في نفس المكان بعد نزوحها من مدينة غزة، ظنًا منه بأنها ستكون مأمنه، لكن كل شيءٍ فجأة تحول إلى ظلام، عندما أغلق عينيه ودخل في غيبوبةٍ نتيجة قصفها بشكلٍ مباشر.

استيقظ عبد الله بعد عدة ساعات، فوجد نفسه مربوطًا بالأنابيب والأجهزة على أحد أسرة مستشفى "الهيئة الطبية الدولية" (المعروفة محليًا باسم المستشفى الأمريكي)، حيث أدى سقوط "حزام من الباطون" فوق صدره، بعد قصف الشقة لتهشم أضلاعه.

"حظيت برعايةٍ جيدة، وأجريت لي العمليات الجراحية اللازمة على وجه السرعة، وكانت مستلزمات التعقيم والنظافة متوفرة، وهذا ساعدني في تجاوز حالة الخطر".

يرى الشاب نفسه محظوظًا أن نُقل -ولو على عربةٍ يجرها حمار- إلى المشفى الأميريكي، حيث المستشفى الوحيد العامل في المحافظة الوسطى "شهداء الأقصى" كان متخمًا بالشهداء والجرحى، الذين افترشوا ممرات الأقسام، بينما يحاول الأطباء إنقاذ حياتهم على الأرض.

يقول: "حظيت برعايةٍ جيدة، وأجريت لي العمليات الجراحية اللازمة على وجه السرعة، وكانت مستلزمات التعقيم والنظافة متوفرة، وهذا ساعدني في تجاوز حالة الخطر".

في الوقت الذي توقفت فيه معظم المستشفيات الحكومية والأهلية، عن تقديم خدماتها جرّاء القصف المباشر، أو قصف الطرق المحيطة، ومنع المصابين من الوصول إليها، عانت منذ الأسبوع الأول من نقص في الإمدادات الطبية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، ونقصٍ أو انقطاعٍ تام في الوقود، وعجز من قبل الأطباء عن تحمل أعداد الجرحى الكبيرة التي تصل يوميًا، وهنا برزت الحاجة الماسة لإقامة مستشفيات ميدانية، تساهم في استقبال وعلاج جرحى ومصابي الحرب.

ودعم إقامة المستشفيات الميدانية في مناطق جنوبي وادي غزة (حيث كان يتمركز ثلثا سكان القطاع بعد نزوح مئات الآلاف منهم من مدن غزة والشمال)، الجهود المبذولة لتقديم الرعاية الصحية، في ظل التحديات الكبيرة التي واجهها السكان والنازحون في قطاع غزة، وما سببته الحرب من وفيات، وإصابات خطيرة وارتفاع ملحوظ في حالات الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي.

في النصيرات أيضًا، استهدف صاروخ استطلاع شابًا طلب ذكر اسمه برموز (ر.ع)، بينما كان يجلس برفقة صديقٍ له أمام منزله في المخيم، ما أدى لاستشهاد أحد المارة وإصابته وصديقه معًا.

"نقلت لمشفى إمكانياته جيدة، وتلقيت العلاج في وضع نفسي مريح، على عكس ما كنت أشاهده في مشافي الحكومة التي قضت الحرب على مقومات بقائها بشكل شبه كامل لولا صمود كوادرها".

نُقل (ر.ع) إلى مستشفى "أطباء بلا حدود/ بلجيكا" الميداني في بلدة الزوايدة، وسط القطاع، حيث تلقى العلاج هناك على أيدي أطباء بلجيكيين وغزيين، يخبرنا: "نقلت لمشفى إمكانياته جيدة بالنسبة لوضع المستشفيات الحكومية البائس، إذ أنهكتها الحرب. تلقيت العلاج في وضع نفسي مريح، على عكس ما كنت أشاهده في مشافي الحكومة التي قضت الحرب على مقومات بقائها بشكل شبه كامل لولا صمود كوادرها".

وعاثت آلة الحرب الإسرائيلية، فسادًا بمستشفى ناصر الحكومي في مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، أثناء اجتياحها للمدينة، وأخرجته عن الخدمة بشكل كامل مرتين، في حين أحرقت ودمرت مستشفى دار السلام الخاص بشكل كامل، وفعلت الشيء ذاته أثناء اجتياحها لمدينة رفح، حين دمرت مستشفى أبو يوسف النجار الحكومي وأخرجته عن الخدمة حتى اللحظة.

ولم تسلم باقي المستشفيات الأهلية من آلة الحرب الإسرائيلية، التي أخرجت المستشفى الأوروبي (بين رفح وخان يونس) عن الخدمة لقرابة الشهر، في حين كان الوصول إليه يحمل الكثير من المخاطرة في ظل صعوبة الأوضاع الأمنية، بجانب التكلفة الباهظة للمواصلات.

وفي خضم هذه الأوضاع الصعبة، كان مستشفى شهداء الأقصى الحكومي بالمحافظة الوسطى يعمل بشكلٍ يفوق طاقته الاستيعابية عدة مرات، فقد كان يخدم الوسطى وأيضًا رفح وخان يونس في الجنوب، اللتان كانتا  تتعرضان لاجتياح اسرائيلي، في حين كان يعاني من أزمة وقود في ظل منع الاحتلال لدخوله، ونقصان الأدوية والمستلزمات الطبية.

وفي ضوء ذلك الواقع الصعب جدًا، والاعتداء الإسرائيلي الممنهج على المنظومة الصحية بغزة، برز دور المستشفيات الميدانية التي أقيمت بتمويل عربي، ومن قبل عدد المؤسسات الدولية، بغرض تقديم الخدمة الطبية لمئات الآلاف من المواطنين، لا سيما وأنها أقيمت في المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان والنازحين، ما جعلها الوجهة الأولى للحصول على العلاج المجاني في مختلف التخصصات، بجانب كونها آمنة حيث لم يتعرض لها الاحتلال بالقصف والاستهداف.

ومن تلك المستشفيات الميدانية "المستشفى الكويتي"، الذي أُنشئ بمدينة خانيونس، في يونيو/ حزيران من العام الماضي، وفق المدير الطبي فيه د. نافذ القرم، وتم نقله في شباط/ فبراير الماضي، بعد سريان وقف إطلاق النار في القطاع إلى داخل مدينة غزة، وتم إعادة بناؤه واستئناف عمله في العشرين من الشهر ذاته.

وقد كان قرار النقل بناء على دراسة الوضع الصحي في مدينة غزة، التي كانت مستشفياتها ما زالت خارج الخدمة أو تعمل بالحد الأدنى، بعدما أنهكها الاستهداف الإسرائيلي المتكرر.

يقول القرم: "في حين أن منطقة الوسطى والجنوب كانت تشهد حالة من الاستقرار وتعمل فيها عدة مستشفيات ميدانية أخرى إلى جانب المؤسسات الحكومية، قررت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، المسؤولة عن المستشفى نقله إلى غزة".

وأشار الى أن المساهمة الكويتية في المشفى، كانت عبر توفير عدة "كونتينرات" له، بجانب غرف العناية المركزة والعمليات والحضانة، في حين أنشأ الهلال الأحمر الفلسطيني أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية؛ ليصبح المواطنون أمام مستشفى متكامل، يقدم مختلف الخدمات الطبية للمرضى بشكل مجاني.

ويقدم المشفى خدمات الباطنة (الكلى والقلب والجلدية) وخدمات الجراحة ( بمختلف تخصصاتها)، بالإضافة إلى قسم الأشعة، والمختبر، وصيدليتين داخلية وخارجية، يعقب: "لدينا ثمانية أسرّة في قسم العناية المركزة التي تفتقدها الآن أغلب المستشفيات بالقطاع".

ويضيف القرم: "لدينا ست أسرة في قسم حضانة الأطفال وغرفتين للعمليات، (واحدة بتبرع من الهلال الأحمر الكويتي، والأخرى أنشأتها ورشة الهندسة التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني)".

ويشير إلى أن المستشفى استقبل خلال وجوده في مدينة خانيونس، جنوبي القطاع ١٥٠ ألف حالة، وأجرى ١٦٠٠ عملية جراحية، "فقد كان الإقبال شديدًا على العلاج في المشفى، في ظل انعدام الإمكانيات في المشافي الحكومية حينها".

ويتابع: "اليوم في مدينة غزة نشهد إقبالا متزايدًا من قبل آلاف المواطنين المتعطشين للخدمة الطبية، في ظل الدمار الذي شهدته المنظومة الطبية فيها، حيث يوجد لدينا أطباء استشاريين في مختلف التخصصات".

وقد أتاح المشفى وسيتيح في الفترة المقبلة فرص عمل لأطباء وخريجين من كافة التخصصات الطبية، بالإضافة للعمال والمهندسين والأمن وموظفي الصيانة وغيرهم، كما أنه فتح أبوابه للمتدربين من طلبة الجامعات في التخصصات الطبية المختلفة.

وعن الدور الذي تقدمه المستشفيات الميدانية عمومًا في قطاع غزة، تحدثنا لمسؤول ملف المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بغزة د. مروان الهمص، الذي بيّن أن الحاجة لتلك المستشفيات ازدادت بعد أن نفّذ الاحتلال الإسرائيلي خطة ممنهجة؛ لتدمير المنظومة الصحية في قطاع غزة.

وقال: "اعتدى الاحتلال على معظم المستشفيات الحكومية والأهلية، وأخرجها عن الخدمة لفترات طويلة، كما لم يدخل لها المستلزمات التي تمكنها من الاستمرار بالعمل حتى اللحظة".

وقبل اجتياح مدينة رفح، أقصى جنوبي القطاع، كان المستشفى الإماراتي يساهم في تقديم الخدمة الطبية  لمليون وربع مليون شخص بين سكان ونازحين من مدينة غزة وشمالي القطاع، في ظل عجز المستشفى الحكومي الوحيد "أبو يوسف النجار" عن فعل ذلك منفردًا.

وأشار د.الهمص، إلى أن المستشفى الإماراتي بدأ بعشرة أسرة، ووصل الآن لمئة وخمسين سريرًا، وقد دعمه الصليب الأحمر بمستشفى آخر (المستشفى البريطاني) في نفس المكان، مما ساهم في تقديم خدمات طبية بجودة ممتازة، وسرعة عالية للمواطنين -على حد وصفه.

وساند المستشفى الكويتي في خانيونس، مستشفى ناصر والمستشفى الأوروبي، أما في المنطقة الوسطى فقد تم إنشاء مستشفى أطباء بلا حدود/ بلجيكا، بالإضافة لمستشفى فرنسي للأطفال، ناهيكم عن مستشفى الهيئة الطبية الدولية (المعروف بالأمريكي) لمساندة مستشفى شهداء الأقصى الحكومي.

وقال: "بعد أن دخلت الهدنة حيز التنفيذ، تم نقل مستشفى الهلال الأحمر الكويتي الذي يديره الهلال الأحمر الفلسطيني لمدينة غزة، في حين تولت منظمة أطباء بلا حدود – فرنسا، مهمة إعادة تأهيل المستشفى الأندونيسي في الشمال وإعادته للخدمة".

"لدينا الآن عشر مستشفيات ميدانية، لكنها لا تغني عن مستشفى حكومي عام واحد، إلا أن العراقيل الكبيرة التي وضعها الاحتلال أمام المستشفيات الحكومية جعلتنا في حاجة لتلك المستشفيات بشكل حقيقي".

وأشار إلى أن المستشفيات الميدانية تتميز بسهولة النقل، حيث تم نقل المستشفى الإماراتي بعد اجتياح الاحتلال لمدينة رفح إلى منطقة المواصي، وكذلك مستشفى الصليب الأحمر، مردفًا بالقول: "لدينا الآن عشر مستشفيات ميدانية، لكنها لا تغني عن مستشفى حكومي عام واحد، إلا أن العراقيل الكبيرة التي وضعها الاحتلال أمام المستشفيات الحكومية جعلتنا في حاجة لتلك المستشفيات بشكل حقيقي، ودفعتنا للدعوة من أجل إنشاء المزيد منها".

ومضى بالقول: "لقد قمنا بنقل بعض أجهزة ومعدات المستشفيات الحكومية التي تم تدميرها للمستشفيات الميدانية؛ لمساعدتها على تقديم خدمة متكاملة للمرضى، وقد كان لها دور كبير في علاج الجرحى خلال العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة".

"تلك المستشفيات تعمل بنظام الطوارئ بشكل أساسي خلال فترة الحرب، أما الآن فهي تقوم بتنفيذ العمليات الجراحية المجدولة".

وقد كانت تلك المستشفيات تعمل بنظام الطوارئ بشكل أساسي خلال فترة الحرب، أما الآن فهي تقوم بتنفيذ العمليات الجراحية المجدولة، وفقًا لـ د. الهمص، الذي لفت إلى أن الاحتلال كان يميّز بشكل واضح بين تلك المستشفيات ونظيرتها الحكومية، فهو كان يدخل لها الوقود والمستلزمات الطبية، في حين يمنعها عن المستشفيات الأخيرة.

وتابع: "وبرغم أنه عاث فسادًا في رفح، إلا أنه لم يمس مقر المشفى الإماراتي بسوء، وكذلك فعل في خانيونس حينما استهدف مستشفى ناصر، في حين لم يتعرض للمشفى الميداني الأردني المجاور".

وحث الهمص الدول العربية على إرسال مزيد من المستشفيات الميدانية، ودعم الموجود منها؛ لتوفير الخدمات الطبية إلى حين إعمار المنظومة الصحية في غزة، معقبًا بقوله: "نحن بحاجة إلى قرابة خمس مستشفيات بشكل عاجل في رفح وغزة والشمال".

في حين بيّن مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية "مسارات"، هاني المصري، أن الاحتلال خلال حربه على غزة، مارس الإبادة بحق المنظومة الصحية كغيرها من المنشآت المدنية والإنسانية والحكومية والخاصة، حيث دمّر أكثر من ثمانين بالمئة من المؤسسات في القطاع.

وقال: "في خضم هذا التدمير الممنهج، ميّز الاحتلال المستشفيات الميدانية العربية والدولية، فلم يتعرض لها بسوء؛ لتقديم رسالة مفادها أن من يقيم معي علاقات سلام، له معاملة خاصة، رغم أن استهداف المنظومة الطبية هو جريمة حرب، والأصل أن يعاقب عليها القانون الدولي"، مردفًا بانفعال: "لكن على ما يبدو، وأمام هذا القانون العالمي، إسرائيل دولة لا حدود لتصرفاتها ولا يردعها قانون، ولديها فيتو أمريكي يحميها من المعاقبة على كل جرائمها".

وبرغم ذلك، فإن المصري يرى أن أي جهد عربي في النواحي الإنسانية مطلوب في غزة، "أي جهد طبي أو اقتصادي، أو حتى جهود في البنية التحتية، وغيرها من مجالات الحياة، مطلوبٌ وبشكل عاجل".

ويزيد: "على العرب أن يبذلوا أضعاف ما بذلوه للضغط على الاحتلال، حتى تتوقف عن عمليات قتلها البطيء للشعب الفلسطيني في غزة، بعد سريان الهدنة، ويدفعها للتوقف عن جرائمها ضد الإنسانية هناك".

كاريكاتـــــير