شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 مايو 2026م20:39 بتوقيت القدس

قبل أن تأكل في خيام غزّة.. عليك أن تشك!

20 مايو 2026 - 19:22
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

قطاع غزة:

"حرارة الخيمة بتذوّب الصخر، فما بالك بصحن طبيخ تعبنا حتى نجيب حطبه وميته؟ بنبكي لما الأكل يحمض، مش بس على النعمة، على التعب والجوع اللي هيعيشوه ولادنا بعدها".. هكذا تلخص إحدى الأمهات النازحات المعضلة التي تطحن قلوبهن يوميًا في قطاع غزة.

تقف الأمهات عاجزات بين نارين؛ إما إطعام أطفالهن طعامًا يخشين أنه فسد بفعل الحرارة التي تكبس الخيام وتلهبها نهارًا، أو اضطرارها الاستغناء عنه ورميه، فيحرمون من قوت يومهم الشحيح تحت الحرّ وسوء الأوضاع الاقتصادية نتيجة الإبادة. 

تحت هذه المعاناة، تبدو الخيام في "مواصي خان يونس" وكأنها أفران بلاستيكية عملاقة؛ الهواء ثقيل ويحمل خليطًا من رائحة الرطوبة الملحية والنايلون المحترق، وتتوسطه رائحة نفاذة للطعام الذي سرعان ما يفقد صلاحيته وفقًا لهذه الظروف.

تصنف الأمم المتحدة أكثر من 90% من السكان في مستويات "انعدام الأمن الغذائي الحاد".

في هذا الواقع، تخبرنا الجدّة خديجة صالح، (60 عامًا)، وهي نازحة من حي الشجاعية شرقي غزة، بأن عيشتها وعائلتها تشبه ما سمعت عنه في العصر الحجري، إلا أنها بدون كهوف باردة.

تصف لنا نضالها اليومي قائلة: "الثلاجة التي انتشلناها من تحت ركام منزلنا أصبحت خزانة للملابس، وأنا اليوم أطبخ كمية تكفي لوجبة واحدة فقط؛ فإذا زاد أي شيء، أضطر لإعطائه للجيران أو أكله فورًا حتى لو كنا شبعانين، لأن تركه ساعتين يعني تسمم الأطفال".

وعن ابتكاراتها البديلة، أضافت وهي تشير إلى ركن الخيمة: "صنعت ما يشبه (الزير)؛ أحضرت فخارة كبيرة، وضعت بداخلها وعاءً أصغر، وملأت الفراغ بالرمل المبلل بالماء، وهذه طريقتي الوحيدة للحفاظ على الجبن أو المرق بدرجة حرارة أقل من غليان الخيمة، لكنها لا تنفع مع اللحوم -إن توفرت- والتي تذبل في ساعات".

في الخيام، يُسمع طنين الذباب الذي يتجمع حول الأواني المغطاة بقطع قماش مبللة، في محاولة يائسة لتبريد ما تبقى من الوجبات التي تعدها الأمهات أو يحصلن عليها من المطابخ الخيرية، ومع ذلك تتحول مثلًا علبة المرتديلا المفتوحة أو بقايا صحن الفول إلى عبوة موقوتة قد تنتهي بطفل في خيمة التمريض المجاورة.

مع القيود الصارمة على دخول الشاحنات والمواد الطازجة (كالخضراوات واللحوم)، بات الاعتماد الكلي على المعلبات والمساعدات الجافة الشحيحة. 

عماد حجيلة (52 عامًا) يتفقد "كولمان" بلاستيكيًا مهترئًا، موضحًا رحلة البحث عن البرودة المفقودة: "الثلج هنا ذهب أبيض، نشتري القالب بمبالغ خيالية، وغالبًا ما يكون ملوثًا لأنه يُصنع من مياه غير مفلترة". 

يضعه الرجل في هذا الكولمان ويرصّ حوله المعلبات، لكنه يذوب خلال أربع ساعات، فتتحول العلب إلى عائمة في مياه ملوثة! ويضيف بحسرة: "عانينا من حالات إسهال شديدة للأطفال بسبب شرب الماء الذي ذاب فيه الثلج الملوث، وحتى المعلبات مع حرارة الخيمة التي تصل لـ 45 درجة أصبحت تنتفخ وتفسد، لذا صار (الشم) هو مختبرنا الوحيد وقرارنا الأخير قبل الأكل".

هذا الخطر الصحي أكدته لنا سمر شحادة (29 عامًا)، وهي ممرضة متطوعة في إحدى النقاط الطبية وأم لطفلين، حيث قالت: "نستقبل يوميًا عشرات حالات النزلات المعوية؛ الناس لا يملكون ترف رمي الطعام، فيسخنون الطعام الفاسد ظنًا منهم أن النار تقتل كل شيء، وهذا خطأ طبي فادح لأن سموم البكتيريا لا تموت بالحرارة".

وعن سبل النجاة البديلة، توضح الممرضة بأن البعض عاد لطرق الجدات القديمة، إذ يستخدمون التجفيف تحت الشمس للبامية والباذنجان بدلًا من محاولة حفظها طازجة، وتمليح اللحوم بكميات كبيرة (القديد) لمنع نمو البكتيريا؛ مؤكدة أنهم بهذه الطريقة يحاولون حرفيًا قتل الطعام بالملح واليباس كي لا يقتلهم هو بالسموم. 

في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، تحول "قالب الثلج البدائي" إلى سلعة تجارية باهظة الثمن يفوق سعرها قدرة العائلات المعدمة

وتأتي أزمة حفظ الطعام كجزء من واقع أعمق فرضته حرب الإبادة والحصار المشدد على قطاع غزة، حيث تصنف الأمم المتحدة أكثر من 90% من السكان في مستويات "انعدام الأمن الغذائي الحاد".

ومع القيود الصارمة على دخول الشاحنات والمواد الطازجة (كالخضراوات واللحوم)، بات الاعتماد الكلي على المعلبات والمساعدات الجافة الشحيحة. 

وفي ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، تحول "قالب الثلج البدائي" إلى سلعة تجارية باهظة الثمن يفوق سعرها قدرة العائلات المعدمة، مما يضطر الأمهات للمخاطرة بتقديم أطعمة غير مضمونة السلامة تجنبًا لرمي وجبة قد لا تتوفر بديلتها لعدة أيام.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير