شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:08 بتوقيت القدس

أكثر من أربعةٍ وثلاثين حادثة منذ بداية العام

حرائق الخيام.. أصغر شرارة تصفع "معايير السلامة"

09 مارس 2026 - 10:02

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن الحاجة أم خالد شعث تعلم أن وجبة الغداء التي شمرّت عن ساعديها لتطبخها ظهيرة يوم الجمعة في نوفمبر الماضي، ستكون آخر محاولةٍ لها لإعداد الطعام في خيمة العائلة في منطقة المواصي، غرب مدينة خان يونس.

النار التي أَشعلتَها أم خالد بما توفر من الحطب وبعض صناديق الكرتون، سرعان ما التهمت الخيمة كاملةً. وبات المكان الذي يستر العائلة في رحلة نزوحها أثرًا بعد عين في بضع دقائق أمام ناظريها، ولم تستطع فعل أيّ شيء.

يقول نجلها خالد لـ"شبكة نوى" إن عدم توفر غاز الطهي دفعَ والدته لاستخدام نار الحطب في طهي الطعام وتسخين المياه وتدبير شؤون حياتهم، وفي إثر ذلك اشتعلت الخيمة وفقدت العائلة كل ما تملكه من أثاثٍ ومقتنيات وأوراق ثبوتية بالكاد استطاعوا أخذها من منزلهم عند النزوح.

"لولا عناية الله وسرعة تدخل الجيران في إخماد النيران وإنقاذ الأطفال المتواجدين في الخيمة، لحدثَ ما لا يُحمد عقباه".

وبصوتٍ تملؤه الحسرة، يضيف: "لولا عناية الله وسرعة تدخل الجيران في إخماد النيران وإنقاذ الأطفال المتواجدين في الخيمة، لحدثَ ما لا يُحمد عقباه"، ويصمت للحظات ثم يكشف عن مخاوفه: "نخشى أن تتكرر الحادثة معنا أو مع غيرنا من النازحين".

مرت ثلاثة شهور على الحادثة، إلا أن الأسرة لم تستطع تعويض حاجياتها الأساسية، فجزءٌ منها لا يتوفر في الأسواق، وجزءٌ آخر ارتفع سعره ارتفاعاً فاحشاً، وفق قوله.

نزوحٌ بلا أمان

هذه الواقعة وغيرها من حوادث اشتعال الخيام التي تتكرر باستمرار في مخيمات النزوح، تدلّ على أن الموت ليس بحاجة إلى قذيفةٍ أو رصاصةٍ طائشة، إذ تكفي شعلة نارٍ على موقدٍ بدائي لإحراق خيمة أو عددٍ من الخيام المتلاصقة، فتزهق أرواح كل من يحتمون بها، ناهيك عن الأضرار المادية الجسيمة التي تتكبدها العائلات المرَهقة أساساً من وضعٍ اقتصادي متردٍ.

وسبق أن حذرت الأمم المتحدة ومنظمات دولية وكذلك شبكة المنظمات الأهلية من مخاطر اندلاع الحرائق في مخيمات النازحين، مشددين على أهمية توفير بدائل آمنة عن الخيام.

وتكشف المعطيات الميدانية عن بيئة نزوحٍ خطِرة تفتقد لأدنى معايير السلامة والأمان للنازحين في مخيمات الإيواء، جراء استخدام وسائل بدائية في الطهي والتدفئة.

منذ بداية العام شبَّ أكثر من أربعةٍ وثلاثين حريقًا داخل الخيام، نجمت عنها إصاباتٌ وحالات اختناق تزيد على خمسةٍ وعشرين نازحًا.

فمنذ بداية العام شبَّ أكثر من أربعةٍ وثلاثين حريقًا داخل الخيام، نجمت عنها إصاباتٌ وحالات اختناق تزيد على خمسةٍ وعشرين نازحًا، يقول د. محمد المغيّر مدير إدارة الدعم الإغاثي والعلاقات الدولية في جهاز الدفاع المدني، في حديثٍ لـ"شبكة نوى".

 ومن أسباب الحرائق، حسبما يضيف المغيّر، غياب مقومات السلامة العامة داخل المخيمات، كما أن الخيام ذاتها مُصنّعةٌ من موادّ قابلة للاشتعال السريع مثل "الفيبر جلاس"، ما لعب دوراً في تكرار هذه الحوادث الأليمة.

 ويضطر الأهالي لاستخدام نار الحطب، مع أنه بديلٌ غير آمن، بسبب شحّ غاز الطهي وعدم وجود أجهزة الموقد الآلي "البوتجاز" والاسطوانات الخاصة به، بحكم أن الغالبية العظمى منهم فقدوا تلك الأساسيات بعد استهداف الاحتلال منازلهم ونزوحهم من دونها.

وبطبيعة الحال، تفتقر المخيمات بُنيةً تحتية منزلية مُجهزّة لأعمال الطهي. وداخل كل خيمة، تنعدم أيُ مساحةٍ آمنة للطبخ، بل وتغيب الخصوصية في هذا الجانب، بسبب الاكتظاظ الشديد.

  ومع كل ما سبق، لا يُعفي المغيّر بعض الأهالي من المسؤولية، لأن الإهمال أو عبث الأطفال الذي قد يُؤدي لمثل هذه الحرائق، مؤكداً أن مقرات الدفاع المدني لا توجد بها مياه كافية بما يضمن تدّفقها من مركبات الإطفاء، إضافةً إلى منع الاحتلال دخول مادة "الفوم" التي تُستخدم في عمليات إطفاء الحرائق.

تحدياتٌ تواجه "الدفاع المدني"

وبدوره، يلوم بعض المبادرين والمؤسسات لعدم اكتراثهم بشروط السلامة في تخطيط إنشاء المخيمات، موضحاً: "يغيب التنسيق مع جهاز الدفاع المدني من أجل تحديد متطلبات "السلامة الحضرية" في تنظيم مواقع نصب الخيام بما يتناسب مع اتجاه الرياح داخل كل مخيم، بهدف التقليل من عوامل الاشتعال".

وحذّر المغيّر من الاكتظاظ الشديد في المخيمات وكثافة الخيام عموماً، دون أي مسارات آمنة بينها، خاصةً أن أغلب المواطنين يستخدمون الستائر القماشية أو ما يُعرف بـ "الشوادر" دون أي فاصل، مما يتطلب وجود فراغات بين الخيام تراعي عملية العزل لتقلّل الانتقال الحراري بين الخيام المتجاورة.

"مما ينعكس سلباً على إرساء معايير الأمان، القيود الإسرائيلية التي تحول دون وصول المعدات الخاصة بالسلامة إلى المخيمات، ومنها أجهزة الإطفاء اليدوية".

ومما ينعكس سلباً على إرساء معايير الأمان، القيود الإسرائيلية التي تحول دون وصول المعدات الخاصة بالسلامة إلى المخيمات، ومنها أجهزة الإطفاء اليدوية، كما يذكر.

وتطرّق إلى التحديات التي تواجه طواقم الدفاع المدني في سرعة السيطرة على الحرائق في مخيمات النزوح، مبيناً: "لا يسمح الاحتلال بدخول متطلبات الصيانة لمركبات الدفاع المدني، فهناك ثلاث "مركبات إطفاء" من أصل أربعٍ معطلة، لعدم توفر قطع الغيار في محافظتي غزة والشمال".

ولم يتبقّ للدفاع المدني سوى إمكاناتٍ متهالكة بعد تدمير الجزء الأكبر منه، وهناك مناطق لا يمكن تغطيتها وتستغرق وقتاً أطول للتحرك والوصول لمكان الحريق، فما يزيد الطين بلّة، وعورة الطرقات وصعوبة التحرك داخل المدن، ما يُؤثر على سرعة الاستجابة الميدانية بسبب الدمار الهائل الذي أحدثته آلة الحرب في شوارع القطاع كافة.

ولم يفته في حديثه لنا حثّ المواطنين على الالتزام التام بـ"إرشادات السلامة والوقاية" داخل الخيام، والحفاظ على مسافاتٍ وقائية لمنع تسلل أي خطرٍ محتمل، مطالباً إدارة المخيمات بتشجيع المواطنين على اتبّاع متطلبات السلامة، علماً أن طواقم الدفاع المدني تنظم حملات توعية دورية ومحاضراتٍ في المخيمات للتوعية بإجراءات السلامة.

وما بين ضعف الإمكانيات وقيود الاحتلال وهشاشة الواقع، تتحول الخيمة من "رمزٍ للأمان المؤقت" إلى مصدر تهديدٍ مرّوع داخل مخيمات يخوض فيها النازحون معركةً يومية مضنية، دون أن تفارقهم أمنية توفير مكانٍ آمنٍ لا تقربه النيران.

كاريكاتـــــير