شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 13 مايو 2026م22:59 بتوقيت القدس

نعمة وصغارها ... وحدهم في مواجهة ضيق التنفس وضيق الحال

13 مايو 2026 - 21:08

غزة- نغم كراجة :

"لم يعد في حياتنا ما يمكن تسميته حياة… نحن فقط ننجو من يومٍ إلى آخر، والجوع والخوف يسبقاننا إلى كل ليلة".

في خيمةٍ مهترئة على أطراف أحد تجمعات النزوح، تعيش نعمة أبو غانم (47 عامًا) تفاصيل حياة ثقيلة منذ استشهاد زوجها في منتصف مايو 2025م، لتتحول فجأة من أمٍّ تشارك زوجها أعباء الحياة، إلى امرأة تواجه وحدها مسؤولية أربعة أطفال دون معيل أو مصدر دخل أو سند عائلي، وسط ظروف معيشية قاسية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

تجلس نعمة قرب مدخل خيمتها الصغيرة، تحاول إبعاد قطعة قماش عن فتحة تسللت منها الرياح بينما يتحلّق أطفالها حولها بصمتٍ مرهق.

تقول وهي تمسك بخاخ الربو الخاص بابنها:"كل يوم أفكر كيف سأُكمل هذا الطريق وحدي… لا يوجد طعام كافٍ، ولا دواء، ولا أمان. حتى المرض أصبح رفاهية لا نستطيع علاجها".

تعاني نعمة من أزمة صدرية حادة، وكذلك أحد أطفالها، وتحتاج بشكل دائم إلى بخاخات علاجية لا تتمكن غالبًا من شرائها بسبب الفقر وانعدام الدخل، ما يدفعها أحيانًا للاستغناء عن علاجها الشخصي كي توفّره لطفلها خوفًا عليه من الاختناق أو تدهور حالته الصحية.

تقول وهي تخفض رأسها:“أحيانًا أختنق طوال الليل ولا أستخدم البخاخ حتى يبقى لابني… أخاف أن يمرض أكثر مني، فأنا على الأقل تعودت على الوجع”.

لا تقتصر معاناة العائلة على الجوع والمرض بل تمتد إلى الخوف اليومي داخل الخيمة التي تحاصرها القوارض والكلاب الضالة، أكبر أبنائها لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فيما تتحمل هي وحدها مسؤولية الحماية والرعاية في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الأمان.

وتستذكر نعمة ليلةً ما زالت تسكن ذاكرتها حين استيقظت على صوت حركة قرب الخيمة، لتجد كلبًا ضالًا يقف عند المدخل.

تقول وهي تضم يديها بتوتر:"تجمدت مكاني من الخوف… لم أعرف ماذا أفعل. بدأت أصرخ وأبكي، وأطفالي يبكون بجانبي. شعرت في تلك اللحظة أننا متروكون تمامًا، بلا حماية ولا أحد يسمعنا".

في معظم الأيام، تضطر نعمة للخروج بحثًا عن أي طعام يمكن أن يسد جوع أطفالها، لكنها غالبًا لا تجد سوى الخبز الذي تعتمد عليه العائلة لأيام متتالية، تمر ليالٍ كاملة دون وجبة حقيقية، فيما تحاول الأم إخفاء عجزها أمام أطفالها.

تقول بصوتٍ متقطع:"أصعب شيء أن ينظر الطفل في وجه أمه وهو جائع… ولا تملك له شيئًا. أحيانًا أشعر بالعجز أكثر من الجوع نفسه".

ورغم كل ما تعيشه، تتمسك نعمة بتعليم أطفالها باعتباره الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب انتزاعه بالكامل منهم، تبحث باستمرار عن أي فرصة تعليمية مجانية، أو خيمة تعليمية يمكن أن تستقبل أبناءها لأنها لا تملك القدرة على دفع أي رسوم دراسية.

لكن أكثر ما يؤلمها هو حال ابنتها بيسان (16 عامًا)، التي كانت من الطالبات المتفوقات قبل إصابتها، أُصيبت بشظايا في الدماغ خلال الحرب، وخضعت لعملية جراحية استُئصل خلالها جزء من أمعائها، لتبدأ بعدها معاناة طويلة مع العلاج والمضاعفات الصحية المستمرة.

تحتاج بيسان إلى علاج دائم ورعاية صحية منتظمة لكن شح الأدوية وسوء الوضع الاقتصادي يمنعانها من الالتزام بخطتها العلاجية، ما يؤدي إلى تفاقم حالتها الصحية مع الوقت، ويؤثر بشكل مباشر على قدرتها على استكمال تعليمها.

تنظر بيسان إلى دفاتر قديمة احتفظت بها داخل حقيبة مهترئة قرب فراشها، وتقول بصوت خافت:"أحب المدرسة كثيرًا… كنت أحلم أن أكمل تعليمي وأصبح شيئًا مهمًا لكن بعد الإصابة تغيّر كل شيء، أحيانًا لا أستطيع التركيز أو الجلوس طويلًا بسبب التعب".

وتضيف بينما تحاول إخفاء دموعها:"أشعر بالحزن حين أرى الطالبات يواصلن حياتهن الطبيعية بينما أنا أقاتل فقط حتى أستطيع الوقوف أو تجاوز يومٍ دون ألم".

أما نعمة، فتراقب ابنتها بعينين مثقلتين بالخوف والعجز، وتقول: "بيسان كانت من أكثر أبنائي تفوقًا… اليوم أخاف أن تخسر تعليمها وحياتها معًا بسبب عدم توفر العلاج، المرض يسرقها مني ببطء وأنا لا أستطيع إنقاذها".

إلى جانب بيسان، أُصيب ثلاثة من أطفال نعمة مع والدهم، ما ترك آثارًا نفسية وجسدية مضاعفة على العائلة في ظل غياب المتابعة الطبية المنتظمة، واستمرار الظروف المعيشية القاسية داخل الخيمة.

ورغم هذا الثقل كله، تحاول نعمة وابنتها خلق لحظات بسيطة تخفف عنهما قسوة الواقع، فتلتجئان إلى الغناء كلما اشتد بهما الخوف أو ضاق بهما الحال،

تقول بيسان بابتسامة باهتة: " أردد دائمًا أغنية "قمري الشهيد"، التي تذكرني بوالدي الذي حُرمت منه مبكرًا حين أغني أشعر أنني أُفرغ شيئًا من الألم الذي بداخلي".

وتختتم نعمة حديثها :" أنا لا أطلب حياةً أفضل… فقط أريد أن ينام أطفالي مرةً واحدة بلا جوع، وأن أستيقظ دون أن أفكر كيف سأُطعمهم، تعبت من أن أكون وحدي في مواجهة كل شيء لكني لن أتركهم، حتى لو لم يبقَ لي شيء إلا الصبر".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير