شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 06 مايو 2026م19:48 بتوقيت القدس

رصاصة في جيب عُدي.. شاهدة على شلل أطفال غزة

06 مايو 2026 - 18:27

قطاع غزة:

بين جدران خيمةٍ صُنعت من بقايا الشوادر البيضاء، يرقد عُدي عليوة (12 عاماً) بجسدٍ أثقله العجز. الطفل الذي كان قبل عام ونصف يملأ أزقة حي الزيتون حيويةً وهو يركض لتلبية احتياجات منزله، بات اليوم سجين إصابته برصاصة أطلقها قناص إسرائيلي واستقرت في حبله الشوكي.

وقعت الحادثة أثناء محاولته تفقد منزله وشقيقه عمر في "هدنة" لم تختلف عن الحرب إلا بالاسم -كما يقول الناس- إذ تحوّلت حياة الصغير إلى جحيم، صار يراقب فيها العالم على كرسي متحرّك حصل عليه بشقّ الأنفس.

يستعيد عُدي تفاصيل اللحظة، فيما تنزلق أصابعه نحو موضع الجرح: "عدنا من النزوح في جنوب القطاع إلى مدرسة بتل الهوا غرب غزة، سبعة أفراد بلا فراش أو أغطية، وهناك وقع إطلاق نار، حاولت الهرب، صرخت وارتميت على الركام، وعندما استيقظت، كنت في مستشفى المعمداني".

يخرج من جيبه رصاصة صغيرة، يحتفظ بها كشاهد على مأساته، ويرفعها بين أنامله قائلاً: "هذه التي شلّتني"، وعلى إثرها، أجرى الأطباء له ست عمليات جراحية وثلاثين غرزة، منعته من الذهاب إلى المدرسة على قدميه وحرمته لعب كرة القدم التي يحبها.

في القطاع، يحول إغلاق المعابر دون سفر الحالات التي تحتاج عمليات عاجلة، فيما يتزامن ذلك مع نقصٍ حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

تنظر أمه "آية" إليه، وهو بكر أبنائها، وتتحدث لـ "نوى" بأنه كان يحمل مسؤولية عائلته على كتفيه دون أن يطلب منه ذلك، بل لأن حرب الإبادة الإسرائيلية أجبرته على ذلك، وخلقت له مهاماً لم يتخيل يوماً أنه سيقوم بها، كالبحث عن المياه والحطب والطعام والمساعدات، إلى أن استهدفه الجنود برصاصة أدمت قلوبنا.

يقاطعها الأب إبراهيم موضحاً: "أربعة أشهر على سرير المستشفى بين المعمداني ومستشفى الوفاء، انخفض وزنه إلى أن وصل 26 كيلو، يحتاج أكلاً ودواءً وحفاضات، بالكاد نستطيع توفيرها".

وفي ساعات الليل تزداد معاناة الطفل؛ فبحسب أبيه، تضرب جسده النحيل شحنات كهربائية جراء الإصابة، ويحتاج جلسات علاج طبيعي وهذا مكلف بالنسبة لأسرته، حيث تصل تكلفة الجلسة الواحدة إلى أكثر من 50 شيكلاً.

مصابو الحبل الشوكي يحتاجون عادة إلى رعاية دائمة، ومرافقةٍ لا تنقطع، تفادياً لمضاعفات قد تُفاقم حالتهم. ويضيف والده بأن ابنه صار يرفض الخروج من الخيمة، وتحاول عائلته تشجيعه دائماً إلى أن اقتنع بالذهاب للمدرسة، أما شقيقه عبود فيساعده بإزاحة الركام من طريق الكرسي.

وأكثر ما يفعله عدي، أنه يكتب أحلامه على ورقة، لكنه يتمنى لو يقف على قدميه ثم يرميها إلى السّماء علّها تتحقق! وعن أمنيته يقول: "أن أسافر للعلاج بالخارج، وأن أحصل على دوائي وألا أعاني في الخيمة".

في القطاع، يحول إغلاق المعابر دون سفر الحالات التي تحتاج عمليات عاجلة، فيما يتزامن ذلك مع نقصٍ حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. وهنا، لا تُقاس الإصابة بلحظتها، بل بامتدادها المفتوح الذي ينهش قلوب المصابين وعائلاتهم.

شرح أخصائي العلاج الطبيعي مؤمن أبوسعدة أن الحرب خلّفت نمطاً قاسياً من الإصابات: "إصابات في الحبل الشوكي وفقرات العمود الفقري أثّرت على الأعصاب الطرفية. فئة الشباب الذكور هي الأكثر تضرراً، ونقدّر نحو 2000 إصابة، منها شلل رباعي ونصفي".

ويضيف بأن أغلب الإصابات ضرر كامل بالحبل الشوكي بسبب شدة الطلقات النارية، وأكثر فترة لوحظ فيها ذلك كانت في فترة المجاعة أثناء توجه الناس لجلب المساعدات من منطقة زيكيم شمالي القطاع ودوار الكويت في الوسط والنابلسي غربي غزة، أو نتيجة القصف والشظايا.

ولا تتوقف المعاناة عند فقدان الحركة، إذ يوضح أبوسعدة بأن المصاب يفقد الإحساس والتحكم بالبول والبراز، ويحتاج دائماً لحفاضات وأكياس بول، ما يسبب التهابات متكررة.

بالإضافة إلى الألم الشديد، كأنه "لسعات كهرباء مستمرة"، مع تشنج عضلي دائم، فيما يحتاج المرضى لمسكنات قوية ومرخيات عضلات وهي شبه مفقودة نتيجة الحصار الإسرائيلي.

ينبه أبوسعدة إلى وجود نقص في الأجهزة والمعدات، وتضرر مراكز التأهيل، ومنع إدخال الأدوات اللازمة لتسريع التعافي، ما يثقل كاهل المرضى ويضعهم في حالة نفسية سيئة.

نسبته 80 إلى 90% من الحالات تحتاج تأهيلاً طويل الأمد أو دائماً، مشيراً إلى أن ما يجري غير مسبوق مقارنة بالحروب السابقة، من ناحية الزيادة في العدد، والتعقيد في الإصابات.

ولا تتجاوز القدرة الاستيعابية للمراكز الثلاثة -مستشفى الشيخ حمد للتأهيل، والوفاء، والأمل- نحو 200 سرير، في ظل شحّ الكراسي المتحركة والفرشات الطبية والحفاضات.

من جهته، يقول وليد حمدان، رئيس قسم خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل بوزارة الصحة، إن عدد إصابات النخاع الشوكي بلغ 1844 حالة منذ بداية الحرب، ورغم أنها تمثل نسبة صغيرة (1–3%) من مجمل الإصابات، إلا أنها "الأثقل من حيث العبء الصحي والاقتصادي".

ويؤكد أن ما نسبته 80 إلى 90% من الحالات تحتاج تأهيلاً طويل الأمد أو دائماً، مشيراً إلى أن ما يجري غير مسبوق مقارنة بالحروب السابقة، من ناحية الزيادة في العدد، والتعقيد في الإصابات، خاصة العنقية التي تؤدي لشلل رباعي، والصدرية والقطنية التي تسبب شللاً نصفياً، غالباً مع كسور وتهتك في الأنسجة.

يختم حمدان بأن القدرات محدودة جداً، مع ضغط هائل على النظام الصحي، واصفاً المشهد بأنه "كارثة إنسانية مركّبة أمام الإصابات الدائمة، والنقص الحاد في العلاج، وغياب بيئة تأهيل مناسبة".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير