شبكة نوى، فلسطينيات: بوابةٌ سوداء كبيرة تُطبق على منزل العمر — أو حلم العمر كما يحلو لصاحبه صادق فقيه تسميته — وعلى أسواره التفّ سياجٌ شائك مبدّداً ألفة المكان، وعلى نوافذه تسلّط الحديد يحبس ضوء النهار ويسلب أنفاس الحياة من سكانه.
كلها مشاهد سرقت الأمانَ من بين جدران منزل عائلة فقيه في قرية بيت أمرين شمال غرب نابلس؛ تلك القرية التي اضطر ربّ أسرتها "صادق" إلى أن يحيل منزله بيده إلى سجن، محاطٍ بالسياج ومكبَّل من كل جانب، طلباً للحماية وأملاً بأمن مفقود في ظل هجمات متواصلة للمستوطنين على المنطقة.
يعول فقيه أسرةً مكوّنةً من خمسة أطفال أصغرهم لم يتجاوز عمره أياماً، ووالدتهم، ويتصدّر في مواجهتهم يومياً إرهاباً نفسياً ومحاولات قتل فعلية ينفذها المستوطنون القادمون من البؤرة الاستيطانية "شوبا"، المتربصون بمنزله وعائلته.
يقول صادق في حديث لنوى: "كل اعتداء ينفذه المستوطنون يختلف عن سابقه في طريقته وأسلوبه ودرجة تطوره؛ بدءاً من مطاردتنا في الطريق وترهيبنا، وصولاً إلى اقتحام الساحات وخلع البوابات الخارجية بأدوات مختلفة كالقاطعات والمناشير، ومحاولات الحرق المتكررة التي أسفرت عن احتراق شرفة المنزل البالغة مساحتها أربعين متراً"، مضيفاً: "يعقب ذلك تحطيم أبواب وزجاج الحماية، وتدمير السقف، وكتابة عبارات عنصرية تهديدية على الجدران، فيما يقتحم الجيش الإسرائيلي المنطقة عقب الاعتداءات لحماية المستوطنين وتأمين فرارهم نحو البؤرة دون أن يتعرضوا لأي أذى".

ويضيف فقيه: "يعيش أولادي في صراع وخوف دائمين؛ فقدرة الطفل محدودة على استيعاب ما يجري لحظة الاعتداء ومعرفة التصرف المناسب. أحاول أنا ووالدتهم التمهيد لهم والتخفيف من وطأة ما نتعرض له، لكنهم يرون بأعينهم أنهم أمام قتلة واعتداءات لا تتوقف؛ فالمستوطنون يقطعون طريقهم أثناء تنقلهم من وإلى المدرسة، ويتعرضون لنا ويحطمون ممتلكاتنا مراراً، واليوم يشاهدون والدهم وهو يحصّن المنزل بالسياج والحديد. تحوّلت حياتنا إلى جحيم يومي وصدمات نفسية متكررة".
بعد أن كان المنزل الأمانَ المنشود لهذه العائلة، بات مركزَ قلقها، وتحوّل بفعل إجراءات الحماية الضرورية — السياج الحديدي وتصفيح النوافذ — إلى ما يشبه السجن. يصف فقيه ذلك بقوله: "لا نشعر أننا نعيش في منزل، بل في سجن ندافع فيه عن أنفسنا بما نستطيع وبأقل القليل، في مواجهة مستوطنين يتربصون بنا، لا سيما أن المنزل يقع على أطراف القرية".
مفارقةٌ مؤلمة تعيشها عائلة فقيه؛ تلك الأسرة التي طالما حلمت ببيت مستقل تبنيه في بلدتها الجميلة ذات الطبيعة الخلابة، حلمٌ مزّق الاستيطانُ معالمَه وحرم أصحابه من الاستمتاع به. غير أن ذلك لم يدفع فقيه إلى التفكير ولو لحظةً في ترك المكان والاستسلام: "كل ما يجري ويرتكبه المستوطنون يكشف عن نية مبيّتة لتهجيرنا، لكننا باقون في أرضنا نواجه ما نتعرض له بما نملك، ونحمي عائلاتنا قدر الاستطاعة".
من جانبه، أكد الناشط في شؤون الاستيطان بشار القريوتي لنوى أهميةَ تضافر الجهود الرسمية والشعبية لحماية المناطق المنكوبة في القرى والبلدات الفلسطينية، وهو ما تفتقر إليه هذه المناطق بشكل واضح، إلى جانب غياب أي تحرك حقيقي لوضع حد لهذه الجرائم وفضحها دولياً أو محاسبة مرتكبيها من المستوطنين وإزالة خطرهم عن الأراضي الفلسطينية، مما اضطر المواطنين أنفسهم إلى البحث عن سبل للدفاع وحماية عائلاتهم، على غرار ما فعله فقيه.
ويضيف القريوتي: في الوقت الذي تسعى فيه بعض المؤسسات إلى توفير أدوات حماية بدائية كطفّايات الحريق والسياج الحديدي، يواجه المستوطنون ذلك بإطلاق الرصاص الحي الذي يخترق النوافذ والجدران. ومع تسليح آلاف المستوطنين بضوء أخضر رسمي من وزير الأمن القومي المتطرف بن غفير، لم تعد الجدران الاستنادية التي يصل ارتفاعها أحياناً إلى عشرة أمتار كافيةً لحماية الأرواح، فتحوّلت المنازل إلى "سجون غير آمنة".
وحذّر القريوتي بشدة من نمط جديد في هجمات المستوطنين قائلاً: "من ينفذ الاعتداءات في الآونة الأخيرة ليسوا مستوطنين عاديين، بل يمتلكون بنية جسدية قتالية، ومن الواضح أنهم مدرّبون ومجهّزون بكافة الإمكانات، ويحظون بصلاحيات كاملة من حكومة الاحتلال لتنفيذ اعتداءاتهم. هذا يعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة هذه الاعتداءات؛ من هجمات عشوائية إلى هجمات منظمة وممنهجة تستهدف الترهيب المباشر والقتل".
ويشير القريوتي إلى أن هذه الهجمات تندرج ضمن رؤية سياسية متطرفة تسعى إلى تطبيق مفهوم "أرض إسرائيل الكبرى" عبر زرع بؤر استيطانية في أرجاء الضفة الغربية بتسارع متصاعد، لفرض السيادة بالقوة وتحويل حياة الفلسطينيين إلى حالة من الارتباك والتوتر الدائم دفعاً لهم نحو الرحيل، كل ذلك في ظل حصانة يوفرها الجيش وشرطة الاحتلال، وهو مناخ يُذكي وتيرة جرائم المستوطنين التي أودت بحياة شهداء وخلّفت إصابات كثيرة.
أمام هذا الواقع، لا خيار أمام الفلسطيني سوى العيش خلف "شبابيك حديدية" في حالة ذعر يومي، وحين يغادر سجنه مضطراً يواجه آلة قتل مسلحة ومدعومة حكومياً بصدر عارٍ، في ظل غياب حلول جذرية توقف هذه الوحشية المنظمة الرامية إلى اقتلاع الوجود الفلسطيني من الضفة الغربية.
























