غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غزة، حيث تضيق الخيارات وتتسع الحاجة، بين بطالةٍ ممتدة وأفقٍ اقتصاديٍّ مثقلٍ بالحصار، يتجه بعض الشباب إلى مساراتٍ بديلة، لعلّها تفتح نافذةً للنجاة.
من بين هذه المسارات، تبرز التداولات الرقمية بوصفها بابًا يبدو سهل العبور، لكنه يخفي وراءه كلفةً باهظة.
محمد الأشقر كان واحدًا ممن طرقوا هذا الباب، لكنه لم يكن يبحث عن مغامرة، بل عن فرصة.
يخبرنا أنه صادف إعلانًا ممولًا يتحدث عن أرباح كبيرة في عالم التداول الرقمي، مرفقًا بصورٍ لأرقامٍ بدت كأنها تَعِدُ بحياةٍ مختلفة.
"الشرح بدا منظمًا ومقنعًا، والتفاصيل التي قُدمت لي عززت شعوري بالأمان، فبدأتُ أُصدق أن الطريق ممهدة أمامي".
اندفع بحماسة، وتواصل مع الجهة المعلنة، التي قدّمت نفسها بثقةٍ وإقناع، وعرضت عليه دورةً تدريبية عبر الإنترنت. ويضيف: "الشرح بدا منظمًا ومقنعًا، والتفاصيل التي قُدمت لي عززت شعوري بالأمان، فبدأتُ أُصدق أن الطريق ممهدة أمامي".
لكن الخطوة الفاصلة كانت حين طُلب منه تحويل مبلغ مالي لفتح حساب تداول خاص باسمه. لم يتردد كثيرًا، وحوّل نحو 800 دولار، على أمل أن يبدأ رحلته نحو الربح.
في الأيام الأولى، ظلّ يتلقى صورًا لأرباحٍ وصفها بالخيالية، أرقامٌ كبيرة كانت تُرسل إليه باستمرار، فتزيد من اندفاعه وتغذي توقعاته، غير أن هذا الوهج لم يدم طويلًا؛ فسرعان ما بدأ التواصل يتراجع، حتى انقطع تمامًا.

حاول الوصول إليهم بكل الطرق، دون جدوى، قبل أن يكتشف أنه حُظر، وأن كل شيء كان مجرد فخ، وعندها فقط، أدرك أنه وقع ضحية عملية نصب، وأن ما خسره لم يكن مجرد مبلغ مالي، بل ثقةً وأملًا كان يعوّل عليهما كثيرًا.
التجربة لم تكن أقل قسوةً لدى إيمان زيد، التي دخلت هذا المجال مدفوعةً بالحاجة ذاتها. كانت تبحث عن وسيلة لتحسين وضعها الاقتصادي في ظل ندرة فرص العمل، وسمعت كثيرًا عن التداول الرقمي كخيارٍ واعد.
التحقت بإحدى الشركات في غزة، التي شجعتها على خوض التجربة، وقدّمت لها وعودًا بأرباحٍ سريعة وكبيرة. تقول: "تلك الوعود كانت مغرية إلى حدٍ يصعب مقاومته".
في الشهر الأول، خسرت إيمان نحو 300 دولار، وقيل لها إن الخسارة جزء من الطريق، لكنها في الشهر الثاني خسرت قرابة 400 دولار إضافية.
في الشهر الأول، خسرت إيمان نحو 300 دولار، ورغم ذلك لم تتوقف، فقد شُجعت على الاستمرار، وقيل لها إن الخسارة جزء من الطريق نحو الربح، لكنها في الشهر الثاني خسرت قرابة 400 دولار إضافية، لتبدأ الشكوك تتسلل إلى قلبها.
حاولت مواجهة الشركة، لكنها اصطدمت بإنكارٍ كامل لأي مسؤولية، إذ أُبلغت بأن التداول يقوم على الربح والخسارة، رغم أن الخطاب الأول كان مختلفًا تمامًا.
وجدت نفسها أمام خسائر متراكمة وتجربة أثقلت كاهلها نفسيًا وماديًا، بعدما دخلت هذا المجال على أمل تحسين حياتها، لا تعقيدها.
ومن موقع التجربة، لا تنصح إيمان بالدخول إلى هذا العالم دون تحققٍ دقيق من مصداقية الجهات، أو دون وعيٍ كافٍ بطبيعته، مؤكدة أن وضع مبالغ كبيرة قد يقود إلى خسائر سريعة، وأن فكرة "الأرباح المضمونة" ليست سوى وهم.
كان عمر يظن أن هناك هامشًا من الأمان، لكن خسارته لم تكن مادية فحسب، إذ انهارت معها الآمال في تأمين احتياجات أسرته.
أما عمر النباهين، فكانت قصته أكثر ارتباطًا بثقل المسؤولية، بعد فقدانه عمله في أحد مصانع غزة.
وجد نفسه معيلًا لأسرةٍ مكونة من تسعة أفراد، ولم يكن لديه ترف التجربة، بل اضطر للبحث عن أي مصدر دخل.
سمع عن التداول الرقمي، وبدأ من خلال أحد المدربين في غزة، الذي شجعه على خوض التجربة، مؤكدًا له وجود فرص ربح جيدة.
في البداية، بدت الأمور واعدة، لكن سرعان ما انقلبت المعادلة. في الجولة الثانية من التداول، خسر عمر نحو 500 دولار، وهو مبلغ كبير في ظل ظروفه، وعندما حاول الاستفسار، قيل له إن الخسارة جزء من طبيعة هذا المجال، وأنه لا يمكن استعادة الأموال.
كانت الصدمة مضاعفة؛ إذ كان يظن أن هناك هامشًا من الأمان أو إمكانية لتعويض الخسارة سريعًا. لم تكن الخسارة مادية فحسب، بل نفسية أيضًا، إذ انهارت معها الآمال التي علّقها على هذه التجربة في تأمين احتياجات أسرته.
خبير أسواق مالية: "التداول الرقمي ليس طريقًا سريعًا للثراء، بل عملية معقدة تتطلب معرفة عميقة وخبرة طويلة".
وسط هذه الشهادات، يحذر خبير الأسواق المالية أحمد الزيني من الانخداع بالوعود المضللة التي تروّج لهذا المجال، مؤكدًا أن التداول الرقمي ليس طريقًا سريعًا للثراء، بل عملية معقدة تتطلب معرفة عميقة وخبرة طويلة.
ويوضح أن التداول يشمل عمليات بيع وشراء تتم عبر الإنترنت، مثل العملات الرقمية كـ"البيتكوين" و"الإيثريوم"، إضافة إلى العملات الأجنبية والأسهم والذهب، بهدف تحقيق أرباح من فروقات الأسعار.
ويشدد الزيني على أن التداول يُعد استثمارًا عالي المخاطر، ولا يمكن الاعتماد عليه كمصدر دخل أساسي، نظرًا لتقلباته الحادة.
ويرى أن الدخول إليه يجب أن يكون بجزء محدود من رأس المال، لا بكامل المدخرات، مع ضرورة التعلم المستمر واكتساب الخبرة والانضباط في إدارة المال، عادًا إياه حرفة تتطلب صبرًا ومهارة.
"أكثر من (95%) من المبتدئين يتعرضون للخسارة لأسبابٍ متعددة، من بينها الطمع، وقلة الخبرة، والاعتماد على توصيات عشوائية، أو تسليم الأموال لأشخاص غير مؤهلين".
ويشير إلى أن أكثر من (95%) من المبتدئين يتعرضون للخسارة لأسبابٍ متعددة، من بينها الطمع، وقلة الخبرة، والاعتماد على توصيات عشوائية، أو تسليم الأموال لأشخاص غير مؤهلين.
كما يلفت إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، خاصة بين فئة الشباب دون سن الخامسة والعشرين، تدفع كثيرين إلى خوض هذه التجربة دون إدراكٍ كافٍ للفروق بين الاستثمار والتداول وإدارة المحافظ.
وهكذا لا تأتي الخسارة دائمًا من سوء قرار فردي، بل من سياقٍ كامل يدفع نحو المخاطرة. في غزة، باتت الأحلام تُباع ضمن إعلاناتٍ ممولة، ويُسوّق الأمل فيها كمنتجٍ سريع الربح، فيجد الشباب أنفسهم فجأة منخرطين في دوامة "المغامرة"، بين حاجةٍ ملحّة، وواقعٍ لا يرحم.
























