شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م09:21 بتوقيت القدس

محاولةٌ جماعية وحلقة وصل لأي خبرٍ أو دليل

مجموعة "وتساب" قشةٌ يتعلّق بها ذَوو مجهولي المصير

29 مارس 2026 - 08:02
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تصل كثيرٌ من الرسائل والإشعارات إلى فضل المغاري عبر هاتفه المحمول، حيث يظل قلبه معلقًا بورود أي خبرٍ عن أخيه المفقود عبد الله البالغ من العمر (37 عاماً)، ولعل بشارة الخير تأتي بواسطة مجموعة أُنشئت عبر تطبيق "وتساب"، بغرض متابعة أخبار الأسرى والمفقودين والمُختفين قسرًا في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

هذه المجموعة، التي انضمّ لها فضل، يحاول عبرها تعقُّب أي خبر حول مصير أخيه الذي فُقدت آثاره عندما اتجه من مخيم البريج لنقطة توزيع المساعدات في منطقة "نيتساريم" أواخر مايو/أيار من العام الماضي، ومنذ ذلك الحين لم يُعرف مصيره حتى اللحظة.

فمجموعةٍ كهذه تُعد مبادرةٍ إنسانية تربط أهالي المفقودين والأسرى مع أسرى مُحررين ونشطاء حقوقيين وإعلاميين، في محاولةٍ جماعية لكشف مصائر أشخاص اختفوا إبّان الحرب، وما تزال عائلاتهم تبحث عن أي دليلٍ يقود إليهم.

يقول فضل: "تواصلنا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وعددٍ من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، وأبلغنا جميع الدوائر المختصة لمعرفة أي خبر عنه، لكن دون جدوى".

ويضيف لـ"شبكة نوى": "عندما علمتُ بالمجموعة، لم أتردد في الانضمام لها في مسعى للحصول على أي بصيص أمل قد يفيدنا في معرفة ما حدث مع أخي، سواء من الأسرى المحررين أو من ممثلي المؤسسات المختصّة بحقوق الأسرى في قطاع غزة أو الضفة الغربية".

الحال ذاته ينطبق على سميرة الأخرس، التي لجأت للبحث عن نجلها المفقود أحمد، ويبلغ من العمر (21 ربيعاً) عبر المجموعة، بعد استنفاد كل محاولات العائلة للبحث عنه في المستشفيات الحكومية والميدانية والمراكز الشرطيّة ومنظمات حقوق الإنسان.

في مساء يوم السبت 21 يونيو/حزيران 2025، اتصلت الأخرس بنجلها أحمد لتطمئن عليه، بعد خروجه للتنزه، وأخبرها أنه في طريق عودته للمنزل، لكن مضت ساعات ولم يعد. عاودت الأم الاتصال بابنها لكن لا مُجيب، ثم ما لبث أن فُقد الاتصال به تمامًا.

تتحسر الأم ولا تستطيع أن تهدأ منذ غيابه، بعض الشهود أخبروها أنهم رأوه بالقرب من مركز توزيع المساعدات في منطقة "الطينة" جنوب مدينة خان يونس، رغم تأكيدها بأن فكرة الذهاب لتلك النقاط الخطِرة لم تكن يوماً واردة عنده، فهي تُشبهها بـ"مصائد الموت المُحتّم".

وبصوتٍ يقطر منه الحزن، تقول الأخرس لـ"شبكة نوى": "في يوم فقدان أحمد، وفي ذات المكان والتوقيت، تواترت الأنباء عن اعتقال الجيش الإسرائيلي تسعة عشر فلسطينيًا من تلك المنطقة، معقّبةً: "غالب الظن أن يكون ابني قد اعتُقِل معهم، لكن لم يصلنا أيّ تأكيد من أي جهة رسمية".

لذلك، تحاول الأخرس التواصل مع الأسرى المُحررين باستمرار ومتابعة مجموعة التواصل في تطبيق "وتساب"، أملاً في العثور على أي معلومة قد توصلها إلى مكانه.

 نور ينبثق رُغم أنف اليأس 

بواسطة المجموعة ذاتها، تعرّف محمد شقيق الأسير "أحمد صادق"، والبالغ من العمر (29 عاماً) على محامين يتبعون لمنظماتٍ حقوقية تتابع ملف الأسرى وقضاياهم داخل السجون، وتنسق مع ذويهم لإجراء زيارات عبر محامين لأبنائهم، في حال سمح الاحتلال بذلك.

يروي محمد لـ"شبكة نوى" قصة اعتقال شقيقه أحمد من مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، حيث كان يعمل ممرضًا في قسم العمليات، قائلاً: "تواصلتُ مع شقيقي ظهر يوم الجمعة الموافق 15 فبراير/ شباط 2024، وأخبرنا أن الجيش يحاصره مع عددٍ من المرضى والكوادر الطبية داخل المبنى القديم للمجمع، وكانت هذه آخر مكالمة معه".

تلّقت العائلة صدمةً نفسية عميقة منذ تأكيد خبر الاعتقال، الذي وردهم عبر أحد الأسرى المُحررين ممن اُعتقلوا من المُجّمع حينها، تبعاً لحديثه، مشيراً إلى أن رحلة أحمد في الأسر بدأت من سجن "سيديه تيمان" ثم سجن عوفر، قبل أن يُنقل إلى سجن النقب.

 "كنا نتّتبع أخباره بصعوبة بالغة، مُكبّلين بالعجز واليأس"، يقول محمد ثم يصمت للحظات، ويتابع بصوتٍ خافت قائلاً: "ما هوَّن علينا مُصابنا أنني تعرفت عن طريق المجموعة على محامية تعمل مع إحدى المؤسسات الحقوقية، وقد قامت بزيارة رسمية له وطمأنتنا على شقيقي داخل الأسر".

ويبدو محمد ممتناً للدور الذي لعبته المجموعة في تعرّفه على منظمات حقوقية ومحامين مُختصين بشؤون الأسرى، ما يتيح تناقل أخبارهم وأوضاعهم الصحيّة، وفرص الزيارة الممنوحة لهم عبر المحامين.  

مبادرة إنسانية

في الفضاء الرقمي، تشكّلت هذه المجموعة المَعنية بتبادل أخبار الأسرى والمفقودين عبر تطبيق "وتساب" بمبادرةٍ عفوية، لكنها سرعان ما أصبحت مساحةً مفتوحة لتّتبع أخبار الأسرى والبحث عن المفقودين والمختفين قسرًا وقت الحرب.

"النشر في المجموعة يتم عبر أهالي المفقودين أنفسهم، بسرد معلومات عنهم وكذلك أوصافهم مع إرفاق صورة المفقود أو الأسير، وأي معلوماتٍ تفيد في التعرف عليه".

يقول مؤسس المجموعة صلاح محجز لـ"شبكة نوى"، إن النشر في المجموعة يتم عبر أهالي المفقودين أنفسهم، بسرد معلومات عنهم وكذلك أوصافهم مع إرفاق صورة المفقود أو الأسير، وأي معلوماتٍ تفيد في التعرف عليه. ثم تتوالى الردود في حال الوصول لأي معلوماتٍ عنه سواء من الأسرى المُحررين أو النشطاء في مجال حقوق الأسرى.

ويشير محجز إلى أن كثيرًا من ذوي الأسرى عرفوا أخيراً أخبار أبنائهم، وأماكن اعتقالهم وظروفهم الصحية عن طريق الأسرى المُحررين الذين التقوا بأبنائهم في السجون، وفي المقابل كثيرٌ منهم أيضًا ما زالت تساؤلاتهم مُعلّقةً رهن المجهول.

"المجموعة إحدى الوسائل المهمة التي تتشبث بها العائلات لمعرفة مصير أحبائهم، في ظل تكتم الاحتلال وعدم تعاونه مع المؤسسات الحقوقية حول أوضاع الأسرى في السجون الإسرائيلية".

ووفق ما يذكره محجز، فإن تناقل المعلومات داخل المجموعة يعتمد بالدرجة الأولى على ذاكرة الأسرى العائدين من الاعتقال، مؤكداً أن المجموعة تُعد إحدى الوسائل المهمة التي تتشبث بها العائلات لمعرفة مصير أحبائهم، في ظل تكتم الاحتلال وعدم تعاونه مع المؤسسات الحقوقية في الإدلاء بمعلومات حول أوضاع الأسرى في السجون الإسرائيلية.

بارقةُ أمل

وعن أهمية البحث عن المفقودين عبر منصات الإعلام الرقمي، يقول عبد الله المجدلاوي أحد مشرفي المجموعة: "استطاعت تقريب المسافات بين ذوي الأسرى والمفقودين من مختلف مناطق القطاع مع سائر أعضائها من الأسرى المُحررين الذين يُدعون للانضمام لها؛ للإدلاء بشهاداتهم الحية حول مَن التقوا بهم في الأسر أو سمعوا بوجودهم في المعتقلات.

ويرى المجدلاوي أن المجموعة تُمثل "بارقة أمل"، حسب تعبيره، لذوي الأسرى والمفقودين في معرفة مصير أبنائهم، وهم بطبيعة الحال يعانون من شح المعلومات، كما أن استخدام إدارة مصلحة السجون أساليبَ أكثر وحشية في التعامل معهم، يزيد من قلق الأهالي على أبنائهم داخل السجون.

كونه يعمل ضمن طواقم الدفاع المدني، وجد المجدلاوي في المجموعة مساحةً مهمة لنشر تفاصيل دالّة على بعض الجثث لشهداء ومفقودين في أماكن كان يحظر الاحتلال الوصول لها.

وكونه يعمل ضمن طواقم الدفاع المدني، وجد في المجموعة "مساحةً مهمة لنشر تفاصيل دالّة على بعض الجثث لشهداء ومفقودين في أماكن كان يحظر الاحتلال الوصول لها"، لكنه استطاع ضمن جهود التنسيق مع الصليب الأحمر من الوصول لها ونشر تلك التفاصيل.

ويزيد المجدلاوي بالقول: "شعرت بمسؤولية كبيرة، لذا ساهمتُ في تعرّف بعضٍ من ذوي الشهداء والمفقودين على جثث أبنائهم، بحرصي على نشر ما يدل على أوصافهم مع الحفاظ على كرامتهم وإنسانيتهم".

 شاهدٌ على المعاناة

بعد إطلاق سراح الأسير المُحرر يعقوب الكحلوت وانضمامه للمجموعة، سرعان ما انهالت عليه المناشدات الإنسانية من أهالي المفقودين، لعله يثلج صدر أحدهم بما رآه في "مقابر الأحياء".

يقول الكحلوت لـ"شبكة نوى" إنه استطاع التعرف على بعض أسماء الأسرى الذين سأل ذووهم عن مصيرهم داخل المجموعة، واصفًا هذه المشاعر بـ"الأقسى على قلبه" كونه عاش تجربة الأسر ومرارة الفقد.

ويشعر بالولاء لأهالي الأسرى، معتبراً أن ما يقوم به "أقل واجب" من أجل طمأنتهم عن أحبابهم، فيما يتذكر مشاعر ذويه حينما كان أسيرًا، وكيف كانوا يتعلقون بأي خبر عن حياته مهما بدا بسيطًا.

ويتلّقى الكحلوت رسائل من ذوي الأسرى والمفقودين يومياً تقريباً، مدركاً تمامًا ما يراودهم من مشاعر خوفٍ ورجاء في أن يُعيد لهم الأمل. لذلك، يأمل في توسع التفاعل مع المجموعة، من أجل إبقاء ملف المفقودين والأسرى حاضرًا على الدوام.

ومع كل اسمٍ يُكتب أو صورة تُنشر، تبذل العائلات المفجوعة بانقطاع أخبار أبنائها-ممن اختفوا أو أُسروا- محاولاتٍ جديدة لانتزاع الحقيقة من ظُلمات الغياب، ليبقى مجرد احتمال العثور على خبرٍ هنا أو هناك مهما كان ضئيلاً، سببًا كافيًا للاستمرار في أمل اللقاء، ولو بعد حين.

كاريكاتـــــير