غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن إسراء أبو القمصان تتوقع أن تعود إلى نقطة الصفر مرةً أخرى، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي مشغلها أول مرة عام 2014، وحينها أعادت بناءه من جديد داخل منزلها الصغير، وما لبث أن توسّع المشروع ليصبح معملاً كبيرًا بإمكانات متواضعة في البداية، ثم تحسنت بمرور الوقت، وقد لاقى وقتئذ إقبالًا واسعًا من الزبائن الذين وجدوا في مشغلها مساحةً للأناقة والإبداع، رغم ظروف الحياة الصعبة في قطاع غزة.
إسراء مصممة أزياء تبلغ من العمر (33 عامًا) وهي أم لثلاثة أطفال، لم يترك لها الاحتلال الإسرائيلي شيئًا من ذلك المشغل بعد أن عاد ودمرّه مرة أخرى في حرب الإبادة. هذا المشغل الواقع في مخيم جباليا، وتحديدًا خلف "الخط الأصفر"، لم تعد إسراء قادرةً على الوصول إليه منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، بعد أن كان مرتعاً للأحلام والعمل والإبداع.
لم يبقَ لإسراء من المكان الذي شكَّل جزءًا من ذاكرتها سوى بعض المشغولات التي احتفظت بها في لحظة نزوحها من منزلها، بعد أن أجبرها الاحتلال على مغادرته. لتجد نفسها مع عائلتها أمام واقع قاسٍ، وهم يُلملمون آثار حربٍ طاحنة مسحت مستقبلًا كان قد بُني على أكتاف سيدة لم تستسلم قط لظروف الحياة التي واجهتها على مدار سنواتٍ طويلة.
بعد تدمير مشغلها، لم تنتظر إسراء معجزةً، بل بادرت إلى صنع المعجزة بيديها. إذ نصبت خيمةً صغيرة لتكون مأوى لعائلتها ومَشغلًا في الوقت ذاته، محاولةً إعادة تشغيله مجدداً، ولكن هذه المرة داخل خيمةٍ ضيّقة لا تتسع إلا لعدد قليل من ماكينات الخياطة. ورغم الظروف التشغيلية الصعبة، وانقطاع التيار الكهربائي، استطاعت تحويل الألم إلى أملٍ يعيد لها ثمرة تعب السنوات رويداً رويداً، كما تقول لـ"شبكة نوى".
وتواجه تحديات عدة، تتحدث عنها: "كثيرٌ من الصعوبات: ارتفاع أسعار الكهرباء البديلة، والأجواء المحيطة غير المناسبة للعمل، إضافةً إلى استمرار عمليات القصف التي لا تهدأ في كثير من الأحيان، ومع ذلك، أصرّ على التعايش مع هذه الظروف القاهرة التي فُرضت علينا، وأحاول التغلب على هذه التحديات".

ومن اللافت في قصتها، قدرتها على الفصل بين حياتها الشخصية ومسؤولياتها كونها أماً، وعملها الذي تراه رسالةً قبل أن يكون مجرد مصدر رزق. ولحسن حظها سرعان ما توافد المواطنون إلى خيمتها داخل المخيم، بعد أن نشرت إسراء مقطع فيديو أعلنت فيه عن إعادة افتتاح مشغلها.
وتحاول إسراء بثّ الأمل والتفاؤل في قلب كل من يتابع حكايتها. وحتى الانتقادات التي تتلقاها، تراها ملاحظات إيجابية تدفعها للبناء والمواصلة بدلاً من الاستسلام والانكسار. وها هي اليوم تعمل على تجاوز آثار الحرب الدامية باستقبال المواطنين بابتسامة، فيما يعطيها الزبائن ثقتهم حين يطلبون منها حياكة ملابسهم، مؤمنين بحلمها وفكرتها، وبأنها ستتمكن يومًا ما من إعادة مشغلها إلى ما كان عليه.

طموحها لم يتغير، فقد كانت تُعلّم تصميم الأزياء داخل مشغلها، وتحيك الملابس وتعيد تدويرها، ناهيك عن قسمٍ خاص بالمشغولات اليدوية. وحتى داخل الخيمة الصغيرة، لم تتوقف عن هذه الأعمال، بل تستمر في إنجازها على أكمل وجه.
وتتطلع الشابة إلى تأسيس أكاديمية لتعليم "تصميم الأزياء" في قطاع غزة، كما تطمح إلى السفر خارج القطاع لاستئناف دراستها والحصول على شهادة الدبلوم في هذا المجال، موجهةً رسالة إلى العالم: "المرأة الفلسطينية قادرة على مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب، والإبداع يمكن أن يُولد من قلب الخيمة وفي أصعب الظروف".
























