شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م09:26 بتوقيت القدس

نازحون يحاولون التكيف بمساحةٍ خاصة للأنشطة

ركنٌ وادع وسط الخراب يُعيد للحياة رونقها

23 مارس 2026 - 08:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تبحث الكاتبة آية أبو نصر عن ملاذٍ يُعيد لها روحها التي عصف بها النزوح، حيث تعيش بين ثقل الذكريات ومحاولة الاستمرار رغم الصعوبات، بعد نزوحها من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة إلى دير البلح.

تقول أبو نصر لـ"شبكة نوى": "حياتنا اليومية ليست عادية؛ فالتفاصيل التي تبدو بسيطة في أماكن أخرى تغدو هنا تحديًا حقيقيًا، من الحياة في الخيام إلى القلق المستمر وأخبار الفقد التي لا تتوقف، كيف لنا أن نجدَ أنفسنا!".

وسط واقعٍ يُخيّم عليه الخراب، وضعت آية لمساتها على ركنٍ صغيرٍ داخل خيمتها، ليسكن فيه قلبُها المتعَب بـ"الكلمات"، إذ خصّصته للقراءة والكتابة.

وسط واقعٍ يُخيّم عليه الخراب، اهتدت لإجابة عن سؤال حيَّرها، بوضع لمساتها على ركنٍ صغيرٍ داخل خيمتها، ليسكن فيه قلبُها المتعَب بـ"الكلمات"، إذ خصّصته للقراءة والكتابة، علّه يساعدها على تهدئة الضجيج بين جنْبيها.

آية وغيرها، ممن يحاولون في الآونة الأخيرة إضفاءَ لمحة من الجَمال والأمل على المكان الذي يتواجدون فيه، حتى لو كان خيمة، ومهما بلغ ضِيقه أو باغتته تقلبات الحياة والطقس. فمن وجهة نظرهم أن الإصرار على "المساحة الخاصة" يجعلها أكثر من مجرد "زاوية"؛ لتُمسي عَالماً بحد ذاته يُعيد الصفاء للذهن بترتيب الأفكار المبعثَرة والمشاعر المرتبكة.

توضح لنا آية الهدف من خطوةٍ كهذه: "أردتُ مكانًا بسيطًا أجلس فيه مع كتبي وأوراقي، لربما أُحوّل الألم والذكريات إلى كلمات، كي لا تضيع الحكايات في خضّم ما نعيشه".

حين جلست في ركنها للمرة لأولى، شعرت وكأنها تستعيد جزءًا صغيرًا من نفسها التي تاهت في الزحام. ومنذ ذلك الوقت، أضحت "الزاوية" مصدراً لإنعاش طاقتها، ومَدّها بالتوازن والهدوء، وأحيانًا تجذب العائلة والأصدقاء في لحظاتٍ من السَكينة والتواصل، حسبما تضيف.

وتتمنى الكاتبة تطوير زاويتها بإضاءةٍ أفضل وتوفير مساحةٍ منظمة للكتب والأوراق، بما يعزلها قليلاً عن الضوضاء، لتبقى ملجأً دائمًا يُعينها على مواصلة الكتابة، كما تقول.

تحاول الفنانة البصرية ريم أبو الروس، النازحة من رفح، التشبث بمساحتها الخاصة داخل خيمةٍ صغيرة في مواصي خانيونس، هرباً من مشاهد الحرب البائسة ومآسي النزوح. هناك، بين القماش المشدود لأعمدةٍ واهية وتحليق الطائرات، تصنع عالمًا آخر بالفرشاة والألوان، كأنها تفتح نافذةً هادئة في محيطٍ صاخبٍ بالقلق.

ريم، الحاصلة على بكالوريوس في التربية الفنية ودبلومٍ في الحقل الاجتماعي النفسي، لا ترى الرسم مجرد مهارةٍ فنية فحسب، بل وسيلةً لفهم الواقع وإعادة صياغته، ومساحةً للتعبير عمّا يصعب قوله بالكلمات.

تقول إن حياتها في أثناء الحرب تحوّلت إلى سلسلة من محاولات التكيّف، حيث تبدو تفاصيل الحياة أبسط في شكلها، لكنها أثقل في شعورها، حسب تعبيرها، معتبرةً أن الرسم لم يعد رفاهيةً، بل نافذةً تطل منها على الأمل، خصوصًا في الأيام المعتمة.

في خيمة ضيقة، تُلّون ريم عَالمها، مبتكرةً طرقًا للرسم بما يتوفر لها، بعد أن أصبح الحصول على الأدوات صعبًا بسبب غلائها، فتستعين بكرتون المساعدات أحيانًا لتصنع منه لوحة.

تخبر "نوى" عن مدى امتنانها لتلك المساحة: "تغمرني هذه اللحظات بشعور التوازن الذي أحتاجه لأواجه حياةً مليئة بالاضطراب وحالة عدم اليقين".

ولا يقتصر الفن على نطاقها، بل يمتد إلى الأطفال من حولها عبر مبادرات تنظمها لهم، حيث يجلسون حول الأوراق والألوان ويحاولون رسم أحلامهم. تقول: "نرسم حتى عندما نسمع أصوات القصف، فالألوان تمنح الأطفال شيئًا من الأمان".

ومع صعوبة الظروف، لا تتوقف ريم عن الرسم ومشاركة لوحاتها مع الدائرة القريبة، لافتةً إلى أن رمز "السلحفاة" يتكرر في أعمالها، لما يحمله من معنى الصبر والاستمرار، وكأنه يعكس فكرتها في مواجهة الواقع. مؤكدةً بثقةٍ بالغة: "نمضي خطوةً بعد أخرى مهما كانت الطريق شائكة".

هذه المساحات الصغيرة ليست حكراً على الفن أو الكتابة؛ فبعض الغزيين يُخصّصونها، حتى لو لم تكن مكاناً بعينه، لأنشطةٍ أخرى تمنحهم التوازن المطلوب، ومنها الرياضة.

أحمد عليان، أبٌ لثلاثة أطفال من معسكر جباليا، يعيش اليوم نازحًا في منزل مستأجَر في مخيم النصيرات بعد رحلة نزوح قاسية. واجه مع عائلته الإصابة وفقدان الأقارب والأصدقاء، كما خسر فرصة عمل في حقل الإعلام بعد انقطاع الإنترنت في شمال القطاع، ما ترك أثرًا نفسيًا ومعيشيًا قاسياً على حياته اليومية.

وأمام الضغط الهائل، كان لا بد أن يجد "متنفساً"، فإذ بكرة القدم تُلّبي النداء، وتصبح له مساحةً رائعة للنجاة. يقول أحمد لـ"نوى": "منذ طفولتي وأنا ألعب كرة القدم، في المدرسة انضممتُ لفريقها، ولطالما قضينا أمتع الأوقات نتقاذفها في الساحات الشعبية".

لم تعد كرة القدم مجرد هواية، بل وقتاً مستقطعاً للإفراج عنه بعيداً عن سجن الحياة في غزة بحروبها ومشاكلها.

العلاقة مع "الساحرة المستديرة" لم تنقطع بمرور السنوات، بل ظلّت ترافقه حتى في أصعب الظروف، وكأنها جزءٌ ثابت من حياته مهما تغيّرت الأماكن، أو ابتعد عن مسقط رأسه، تبعاً لكلامه.

اليوم، لم تعد كرة القدم مجرد هواية، بل وقتاً مستقطعاً للإفراج عنه بعيداً عن سجن الحياة في غزة بحروبها ومشاكلها، مبيناً: "عندما ألعب أو أتابع مباراة، أشعر أنني أتنفس الصعداء، كأنني أنفصل عن كل شيء".

كرة القدم عند أحمد ليست "لعبةً والسلام"، وإنما مُهدّئ مثالي يجدّد شعورَ المرء أن للحياة جوانب أخرى يمكن التمسك بها، حتى في أشد أوقاتها ضراوة.

وفي أحيانٍ كثيرة، يكتفي بدقائق معدودة من اللعب برفقة الأصدقاء أو بمتابعة مباراة عبر الهاتف، إلا أن هذه اللحظات البسيطة، كما يقول، "تعيد ترتيب يومي وتمنحني قدرةً على الاستمرار". ورغم الإمكانيات المحدودة، تضّخ تلك المساحة مشاعر الراحة، بما يحافظ على توازنه النفسي.

 نظرة أحمد للمساحة الخاصة مشابهةٌ للآخرين، حتى لو اختلفت الاهتمامات، فكرة القدم عنده ليست "لعبةً والسلام"، وإنما مُهدّئ مثالي يجدّد شعورَ المرء أن للحياة جوانب أخرى يمكن التمسك بها، حتى في أشد أوقاتها ضراوة، وفي الإصرار على هذه المساحة "بطولة صغيرة" تستحق التصفيق الحار من صاحبها لنفسه.

كاريكاتـــــير