شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:08 بتوقيت القدس

بالتلوث والحصار يزداد وضعه سوءًا

بحر غزة لا يتعافى ويُخشى أن تُقبر موارده

15 مارس 2026 - 08:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ما عاد البحرُ في قطاع غزة كما كان. فالحرب المستمرة خلّفت آثارًا بيئيةً عميقة على البيئة البحرية، بعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي المناطق الساحلية بالقصف، وفي إثره تضررت البنية التحتية وتوقفت مرافق الخدمات الأساسية.

ومع تدمير منشآت الصرف الصحي والموانئ وقوارب الصيد، تزايدت الضغوط على النظام البيئي البحري، ما انعكس على جودة المياه والتنوع الحيوي والثروة السمكية. وبعدما كان البحر لعقود متنفسًا طبيعيًا ومصدر رزقٍ لآلاف الصيادين، يواجه اليوم تحدياتٍ بيئية متصاعدة تهدد توازنه الطبيعي ومستقبل الموارد البحرية في القطاع.

التنوع الحيوي والمصيد السمكي

قبل الحرب، كانت البيئة البحرية في غزة تعاني ضغوطًا بيئية، لكن الوضع ازدادَ سوءاً في الشهور الأخيرة. يقول عبد الفتاح عبد ربه أستاذ العلوم البيئية المشارك في قسمي علوم البحار و الأحياء في الجامعة الإسلامية بغزة لـ"شبكة نوى" إن التنوع الحيوي في القطاع كان يشهد تراجعًا حتى قبل الحرب، إلا أن القصف وتدمير المراكب والمنشآت الساحلية سرَّعا من وتيرة التدهور.

"ما يُصطاد حالياً لا تتجاوز كميته، ما يتفاوت من 10 في المئة إلى 20 في المئة من حجم الصيد قبل الحرب".

ويوضح أن المصيد السمكي تراجعَ إلى حدٍ كبير، إذ أن ما يُصطاد حالياً لا تتجاوز كميته، ما يتفاوت من 10 في المئة إلى 20 في المئة من حجم الصيد قبل الحرب. ويعزو ذلك إلى عدة عوامل، منها قصف المناطق الساحلية، وتدمير قوارب الصيد، إضافة إلى تلوث المياه الناجم عن تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر بعد تعطل محطات المعالجة.
ويشير عبد ربه إلى أن بعض الأنواع البحرية الحساسة، خصوصًا الأسماك الغضروفية، تُعد مهددة عالميًا بسبب بطء تكاثرها وكبر حجمها، ما يجعل تعويض الفاقد منها عملية بطيئة. ومع ذلك، يصيد بعضٌ هذه الأنواع في غزة، ففي الظروف الحالية أصبحت أولوية البقاء الغذائي للسكان تفوق الاعتبارات البيئية، كما يقول.


فيما يؤكد المختص البيئي نزار الوحيدي أن توقف جميع محطات المعالجة أدى إلى تدفقٍ مباشر لكميات كبيرة من المياه العادمة إلى البحر، خاصةً من المخيمات التي أُقيمت على طول الشريط الساحلي.
وفي السياق ذاته، يقول حسني مهنا الناطق باسم بلدية غزة إن العمليات العسكرية الإسرائيلية ألحقت دمارًا واسعًا بالبُنية التحتية لقطاع الصرف الصحي في مدينة غزة.

ويضيف أن حجم الأضرار بلغ نحو 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، وتضررت ثماني مضخات رئيسة، ما فاقم من تدفق المياه غير المعالجة نحو البحر.

"المياه تحتوي على نسبٍ عالية من المواد العضوية والمنظفات المنزلية وغيرها من الملوثات، ما يؤدي إلى تدمير مَواطن تكاثر الأسماك، خصوصًا بين الصخور القريبة من الشاطئ".

ويشير الوحيدي إلى أن هذه المياه تحتوي على نسبٍ عالية من المواد العضوية والمنظفات المنزلية وغيرها من الملوثات، ما يؤدي إلى تدمير مَواطن تكاثر الأسماك، خصوصًا بين الصخور القريبة من الشاطئ. كما أن استخدام بعض السكان مياه البحر للغسيل أو الاستحمام نتيجة شحّ المياه العذبة، يزيد الضغط على البيئة البحرية.
إلى جانب ذلك، تحمل السيول بقايا موادّ كيميائية ومركبات من مخلفات الصواريخ والمتفجرات، التي قد تصل إلى البحر، غير أن غياب المختبرات والأجهزة المتخصصة يمنع تحديد طبيعة هذه المواد أو قياس تركيزها بدقة.

غياب المراقبة البيئية

قبل اندلاع الحرب، كانت هناك منظومة رقابية تشرف عليها الجهات المختصة لمتابعة جودة مياه البحر وتحديد المناطق الصالحة للسباحة. لكن هذه المنظومة توقفت تماماً بعد السابع من أكتوبر، وفق ما يذكر سعيد العكلوك مسؤول الرقابة على المياه والبيئة في وزارة الصحة بغزة.

"تكمن المشكلة الأساسية في "تدفق مياه الصرف الصحي الخام مباشرة إلى البحر، وهي مياه تحتوي على ملوثات ميكروبيولوجية وكيميائية متعددة، تشمل البكتيريا والفيروسات والطفيليات".

وتكمن المشكلة الأساسية في "تدفق مياه الصرف الصحي الخام مباشرة إلى البحر، وهي مياه تحتوي على ملوثات ميكروبيولوجية وكيميائية متعددة، تشمل البكتيريا والفيروسات والطفيليات، إضافة إلى عناصر ثقيلة قد تكون ناتجة عن مخلّفات المتفجرات"، تبعاً لحديث العكلوك.
ويلفت إلى أن المختبرات التي كانت مسؤولة عن تحليل المياه لم تعد تعمل كما في السابق، حيث تقلّص دورها إلى تحليل مياه الشرب فقط، في حين أصبح فحص تلوث مياه البحر شبه متوقف، بسبب نقص المعدّات والمواد المخبرية.

قطاع الصيد منكوب

لا يقتصر تأثير التدهور البيئي على الطبيعة فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي. إذ يخبرنا المختص نزار الوحيدي أن قطاع الصيد البحري كان يُعد جزءًا مهمًا من السلة الغذائية في غزة، إضافة إلى كونه مصدر دخلٍ لآلاف الأسر.
ويواصل حديثه لـ"نوى" بقوله: "أدت الحرب إلى توقف معظم قوارب الصيد عن العمل، بسبب تدميرها والقيود الأمنية في البحر، ما جعل كميات الصيد اليوم محدودة للغاية"، واصفاً ذلك بأنه "نكبةٌ اقتصادية كبرى" أصابت أحد أهم قطاعات الإنتاج الغذائي في القطاع.

ويلقي الضوء، زكريا بكر رئيس لجان الصيادين في غزة  على مناطق معينة على الشاطئ، مثل وادي غزة ومحيط مخيم الشاطئ، كونهما تُعدان من أكثر المناطق تلوثًا، حيث يتغير لون المياه وتنتشر الروائح الكريهة جرّاء تصريف مياه الصرف الصحي.

ويتناول وجهاً آخر للحصار البحري، يتمثل في تركّز الصيد في مناطق قريبة جدًا من الشاطئ، لا تتجاوز أحيانًا 500 متر، ما يعني ضغطاً إضافياً على المخزون السمكي، خصوصًا على الأسماك الصغيرة التي تعيش في المياه الضحلة.
ويرى بكر أنه من الصعب تقييم التغيرات في أنواع الأسماك أو حجم نفوقها، فالقيود المفروضة على حركة الصيادين في البحر، قلّصت كميات الصيد التي لا تتعدى نسبةً ضئيلة جدًا من المعدلات الطبيعية.
ويعرب عن أسفه لأن الضغوط الاقتصادية والغذائية دفعت بعض الصيادين إلى ممارساتٍ غير مقبولة بيئيًا، مثل صيد السلاحف البحرية التي تلعب دورًا مهمًا في التوازن البيئي. بينما في الظروف الطبيعية، تُعد "مخالفةً للقوانين البيئية"، لكن ظروف الحرب حدت بكثيرين إلى ارتكابها.

البيئة البحرية تمتلك قدرةً طبيعية على التعافي إذا توقفت مصادر التلوث. فالبحار تتميز بوجود التيارات والأمواج التي تسهم في تخفيف تركيز الملوثات ونقلها بعيدًا عن مناطق الشاطئ.

رغم الصورة القاتمة، خلص خبراء إلى أن البيئة البحرية تمتلك قدرةً طبيعية على التعافي إذا توقفت مصادر التلوث. فالبحار تتميز بوجود التيارات والأمواج التي تسهم في تخفيف تركيز الملوثات ونقلها بعيدًا عن مناطق الشاطئ.
وبالعودة لأستاذ البيئة عبد الفتاح عبد ربه، يطمئننا أن "البحر قادر على استعادة جزءٍ من توازنه البيئي في فترة زمنية ليست طويلة نسبيًا، مقارنةً بالأنظمة البيئية البرية، شريطة وقف تصريف الملوثات وإعادة تشغيل محطات معالجة المياه".
لكن تحقيق هذا التعافي يتطلّب، حسب تقييمه، استثماراتٍ كبيرة في البنية التحتية البيئية، تشمل إعادة بناء محطات المعالجة، وإنشاء مختبرات علمية متخصصة لرصد جودة المياه ومراقبة التنوع الحيوي.

كاريكاتـــــير