غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يصل رمضان إلى العالم مقرونًا بالبهجة، وصوت الأذان الذي يجمع العائلات حول موائد الإفطار، غير أنّه حين يعبر أبواب السجون الإسرائيلية الثقيلة، يصل مختلفًا تمامًا.
خلف الجدران الإسمنتية والأسلاك الشائكة، يستقبل الأسرى الفلسطينيون الشهر الكريم بقلوب مثقلة بالعزلة والتضييق، محرومين من أبسط مظاهر هذا الشهر الذي يرتبط في الذاكرة الإسلامية بالاجتماع والسكينة والعبادة.
في تلك الزنازين الضيقة، حيث يُعزل الإنسان عن العالم الخارجي ويُحرم حتى من معرفة التاريخ أو الوقت، يحاول الأسرى التمسك بما تبقى من طقوس الشهر الفضيل، يحفظون الأيام في ذاكرتهم، ويقدّرون مرور الزمن، ويصنعون من تفاصيل صغيرة مساحات ضيقة للعبادة والصبر.
"لا يعلمون موعد رمضان.. تتعمد إدارة السجون إبقاء الأسرى في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي، فلا تقويم داخل الزنازين، ولا ساعات، ولا أي وسيلة واضحة لمعرفة التاريخ".
الأسير المحرر محمد قاعود اعتُقل من داخل مستشفى الشفاء في مدينة غزة في 18 مارس/آذار 2024م، قبل أن يُفرج عنه ضمن صفقة تبادل في 27 فبراير/شباط 2025م، بعد نحو عام من الاعتقال تنقّل خلاله بين عدد من السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
يروي قاعود لـ"شبكة نوى" أن الأشهر الثلاثة الأولى من اعتقاله قضاها في معسكر الاعتقال المعروف باسم "سدي تيمان"، وهو المكان الذي يصفه الأسرى بـ"المسلخ"، في إشارة إلى قسوة الظروف التي يعيشها المعتقلون داخله، بعد ذلك نُقل إلى سجن عوفر حيث أمضى نحو ثمانية أشهر، ثم إلى سجن النقب الصحراوي لمدة شهر.
وعن استقبال شهر رمضان داخل السجون، يقول: "الأسرى غالبًا لا يعلمون بقدوم الشهر الكريم بشكل رسمي، إذ تتعمد إدارة السجون إبقاء المعتقلين في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي، فلا تقويم داخل الزنازين، ولا ساعات، ولا أي وسيلة واضحة لمعرفة التاريخ".

يضيف: "إدارة السجون لا تُبلغ الأسرى بموعد بدء شهر رمضان"، في سياسة يصفها بأنها محاولة متعمدة للتضييق عليهم والتنغيص على حياتهم اليومية، الأمر الذي يدفع الأسرى إلى الاعتماد على تقديراتهم الشخصية لمعرفة موعد الشهر الفضيل".
ويتابع: "الأسرى يحاولون حساب الأيام اعتمادًا على الذاكرة أو عبر تقدير مرور الوقت داخل الأقسام، وأحيانًا يستعينون بمعلومة قد تصل عبر زيارة محامٍ، إن سُمح بها، لمعرفة التاريخ التقريبي".
لكن هذه التقديرات ليست دقيقة دائمًا، فكثيرًا ما يكتشف الأسرى بعد يوم أو يومين أنهم دخلوا بالفعل في شهر رمضان، بينما يبدأ بعضهم الصيام احتياطًا قبل الموعد المتوقع بيوم أو أكثر، خشية أن يفوتهم صيام أول أيام الشهر.
"يبدأ الشهر عادةً ويحمل في ذاكرة المسلمين طابعًا روحانيًا واجتماعيًا خاصًا، بينما يعيشونه هم في عزلة قاسية، بلا يقينٍ بالزمان، ولا تواصل مع العالم الخارجي".
يصف قاعود هذه اللحظة بأنها من أكثر اللحظات قسوة في حياة الأسرى، إذ يبدأ الشهر عادةً ويحمل في ذاكرة المسلمين طابعًا روحانيًا واجتماعيًا خاصًا، بينما يعيشونه هم في عزلة قاسية، بلا يقينٍ بالزمان، ولا تواصل مع العالم الخارجي.
ورغم كل ذلك، يحاول الأسرى الحفاظ على ما أمكن من أجواء رمضان داخل الأقسام. "يتعاونون فيما بينهم لتنظيم أوقاتهم وفق تقديراتهم الخاصة، ويتقاسمون القليل المتاح من الطعام والوقت، في محاولة للتشبث بما تبقى من مظاهر الحياة والعبادة داخل السجن".
أما الأسيرة المحررة سوزان أبو سالم فقد اعتقلتها قوات الاحتلال في 14 فبراير/شباط 2024م، قبل أن يُفرج عنها في 27 فبراير/شباط 2025م بعد نحو عام من الاعتقال تنقّلت خلاله بين عدة أماكن احتجاز.

توضح سوزان لـ"شبكة نوى" أنها أمضت شهر رمضان في العزل الانفرادي داخل سجن "نيتسان"، قبل أن تُنقل في الأيام الأخيرة من الشهر إلى سجن الرملة.
وتشير إلى أن تجربتها مع رمضان داخل العزل كانت مختلفة تمامًا عن بقية الأسيرات، إذ كانت تقضي أيامها وحيدة داخل الزنزانة، بلا تواصل مع الأسيرات الأخريات.
تقول: "العزل الانفرادي جعل القرآن رفيقي الوحيد تقريبًا. لم يكن هناك ما يشغل وقتي سوى المصحف، فكنت أمضي ساعات طويلة في التلاوة والتأمل، محاولة أن أمنح الوقت معنى آخر غير الانتظار الثقيل".
أما الأسيرات اللواتي كنّ محتجزات داخل الأقسام في سجن الدامون، فتشير إلى أنهن كنّ يحاولن خلق أجواء رمضانية بسيطة رغم القيود المفروضة عليهن.
"مع بداية شهر رمضان شددت الإدارة إجراءاتها أكثر، إذ أُغلقت فتحات الأبواب بشكل كامل، ووضعت طبقات من البلاستيك السميك على الأبواب لمنع انتقال الصوت بين الغرف".
"كانت الأسيرات يقرأن القرآن داخل الغرف، وأحيانًا تتفق كل غرفة على قراءة سورة محددة، في محاولة لمشاركة الأجواء الروحانية مع الغرف الأخرى، كما كنّ يتبادلن الدعاء ويحاولن دعم بعضهن البعض" تضيف.
لكن إدارة السجن، كانت تتعمد التضييق على الأسيرات ومنع أي شكل من أشكال التواصل بين الغرف. "فمع بداية شهر رمضان شددت الإدارة إجراءاتها أكثر، إذ أُغلقت فتحات الأبواب بشكل كامل، ووضعت طبقات من البلاستيك السميك على الأبواب لمنع انتقال الصوت بين الغرف".
وتوضح سوزان أن هذه الإجراءات هدفت إلى منع الأسيرات من المشاركة في أي نشاط جماعي أو ديني، حتى لو كان بسيطًا مثل قراءة القرآن أو تبادل الدعاء بشكل متزامن بين الغرف.
وتضيف: "آخر محامٍ زار السجن قبل حلول رمضان كان يزوّد الأسيرات بمعلومات تقريبية عن مواقيت الصلوات خلال الشهر، مثل أوقات الظهر والعصر والمغرب والسحور، حتى يتمكنّ من تنظيم عباداتهن داخل السجن".

وتشير إلى أن إدارة السجن كانت تعلم أن الأسيرات حصلن على هذه المعلومات، لذلك كان رئيس القسم يبلغهن أحيانًا رسميًا بموعد بداية الشهر في اليوم السابق، مؤكدة أن هذا الأمر لم يكن يحدث دائمًا.
وفي شهادة أخرى، يخبرنا الأسير المحرر يعقوب الكحلوت أن معرفة الأسرى بقدوم شهر رمضان داخل السجن لم تكن تتم بصورة طبيعية، إذ كانوا يعتمدون في كثير من الأحيان على الأسرى الجدد الذين يُعتقلون حديثًا، أو على ما قد يتسرب من معلومات خلال استجوابات مخابرات السجن لبعض المعتقلين.
ويقول الكحلوت لـ"شبكة نوى": "المحققون كانوا يسألون الأسرى عمّا قد يفعلونه خلال شهر رمضان، وكأنهم يستعدون مسبقًا للتعامل مع أي مظاهر دينية داخل الأقسام".
ويضيف: "الأسرى كانوا يشعرون بأن إدارة السجن تحاول محاربتهم دينيًا، إذ فُرضت قيود مشددة على أداء الشعائر الدينية، وصلت في كثير من الأحيان إلى حد المنع شبه الكامل".
"الأسرى كانوا يشعرون بأن إدارة السجن تحاول محاربتهم دينيًا، إذ فُرضت قيود مشددة على أداء الشعائر الدينية، وصلت في كثير من الأحيان إلى حد المنع شبه الكامل".
ويشير إلى أن الأسرى لم يكونوا قادرين على الوضوء بشكل طبيعي، وكانوا يلجؤون أحيانًا إلى التيمم بحذر شديد، كما مُنعت الصلاة الجماعية بشكل صارم.
ويتابع: "الأقسام كانت تخضع لمراقبة دائمة عبر الكاميرات، وأي حركة قد تُفسَّر على أنها استعداد لأداء الصلاة كانت تقابل بإجراءات قمعية"، مشيرًا إلى أنه في بعض المرات، كانت إدارة السجن تقتحم القسم، وتُدخل الكلاب البوليسية، وتعتدي على الأسرى بالضرب المبرح.
ويختم الكحلوت حديثه بالإشارة إلى أن الطعام الذي يُقدَّم للأسرى خلال هذه الفترة كان في كثير من الأحيان فاسدًا أو غير صالح للاستهلاك، ما تسبب بآلام ومشكلات صحية متكررة بين المعتقلين، خصوصًا في ظل ظروف الاحتجاز القاسية.
هكذا يصل رمضان إلى الأسرى الفلسطينيين.. بلا مآذن، بلا موائد عامرة، وبلا يقين بالوقت، ومع ذلك، يحاولون أن يفتحوا داخل الزنازين الضيقة نافذة صغيرة للروح، يتمسكون فيها بالصبر، وكأنهم يعلنون، في صمتٍ عنيد، أن ما يُصادره السجن من الجسد لا يستطيع أن يصادره مما وقر في القلب.
























