الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في أقصى الجهة الشرقية من قرية فرعتا- شرق قلقيلية، لا يسكن الليل ولا يجلب طمأنينته للمواطن حجازي يامين وعائلته؛ فمنزله القابع في خط المواجهة الأول بات هدفاً مُستباحاً لهجمات المستوطنين التي يصفها بأنها "غادرة وتستغل هدأء الليل وسكون المنازل".
فعلى بُعد كيلومتر واحد فقط من نافذة منزله، تبرز بؤرةٌ استيطانية رعوية أقامها المستوطنون في الآونة الأخيرة. في كل ليلةٍ يغلق الرجل بابَ بيته، ويبقى على أهبة الاستعداد لجولةٍ جديدة من الصمود. ففي قاموسه، المنزل ليس مجردَ جدرانٍ وممتلكات، بل ثغراً أخيراً يحميه بقلبه ويديه.
لم يجد السكان مفراً من تشكيل "نوبات حراسة شعبية"، إذ يواجه الفلسطينيون في هذه المناطق "إرهابًا ليليًا" ممنهجًا بحمايةٍ مباشرة من قوات الاحتلال أو بتواطئها.
يخبرنا يامين أن هذه البؤرة، التي بدأت بخيام وأغنام وكلاب حراسة، تحولّت إلى مصدر ترهيب للسكان؛ فمنها ينطلق المستوطنون في اعتداءاتٍ ممنهجة تحت جنح الظلام، مستهدفين أطرافَ القرية في محاولةٍ لفرض واقعٍ جغرافيٍ جديد من الاستيطان وهيمنة المستوطنين.
وبموجب اتفاقية أوسلو، تقع 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية "المصنّفة ج"، في قبضة حصار استيطاني خانق؛ حوَّل مئات القرى الفلسطينية إلى "حلبة صراعٍ" مفتوحة مع غياب الحماية الرسمية.
ومع اشتداد وتيرة الاعتداءات الليلية التي تطالُ الأرواح والممتلكات، لم يجد السكان مفراً من تشكيل "نوبات حراسة شعبية"، لتكون استجابةً قسرية لواقعٍ أمني هش. فبين إحراق المنازل وتخريب الأراضي وقتل المواشي، يواجه الفلسطينيون في هذه المناطق "إرهابًا ليليًا" ممنهجًا بحمايةٍ مباشرة من قوات الاحتلال أو بتواطئها.
حناجرنا سلاحنا
لا تقتصر المعاناة على مراقبة المهاجمين عن بُعد، بل تنتقل في كثيرٍ من الأحيان إلى مواجهةٍ وصدامٍ مباشر. يشرح يامين لـ"شبكة نوى" كيف تقتحم حرمة منزله مجموعاتٌ منظمة من المستوطنين، تراوح أعدادها بين سبعة وعشرة أفراد، قائلاً: "يقفزون فوق السور، ويحطّمون كل ما تطاله أيديهم في فناء البيت، وحاولوا أكثر من مرة إضرام النار في مركبتي الخاصة".
وأمام غياب أي حمايةٍ دولية أو أمنية، يجد يامين نفسه وعائلته مضطرين لخوض معركة "الأيدي الخالية والصوت العالي".
"المواجهة المباشرة، رغم خطورتها، غالباً ما تنجح في إرباك المهاجمين وإجبارهم على التراجع، في صورةٍ تُجسّد واقعَ الصمود الفلسطيني".
ويصف تلك اللحظات الحرجة: "عندما يداهموننا، لا نملك سلاحاً سوى حناجرنا. نخرجُ إليهم بصدورٍ عارية ونصرخ في وجوههم"، مؤكداً أن هذه المواجهة المباشرة، رغم خطورتها، غالباً ما تنجح في إرباك المهاجمين وإجبارهم على التراجع، في صورةٍ تُجسّد واقعَ الصمود الفلسطيني اليومي في القرى المحاذية للمستوطنات.
وفي مفارقةٍ تعكس اختلال موازين العدالة، يشير يامين إلى أن المواجهة تنتهي لصالح المعتدين؛ فبمجرد أن يتطور الوضع لاشتباكٍ بالأيدي، يسارع المستوطنون لاستدعاء قوات الاحتلال التي تصل على الفور. "وبدلاً من لجمهم، يسارع جيش الاحتلال إلى اعتقال الفلسطيني، تاركًا المستوطنين يعيثون فساداً دون رادع"، تبعاً لقوله، في مشهد يكرّس سياسة "الضوء الأخضر" الممنوحة للمجموعات الاستيطانية لتنفيذ أجندة التهجير.
وبنبرةٍ يملؤها الإصرار، يختم المعلم حجازي حديثه: "وجودنا في الميدان يقلّل حجم الخسائر، لكنه لا يوقف الخطر كما يجب، ومع هذا، بقاؤنا في منازلنا رغم التهديدات هو خط الدفاع الأخير".
نظامٌ دقيق للجنة الحماية
لا تبدو بلدة سنجل- شمال رام الله- مجرد قريةٍ فلسطينية عادية، بل جزيرةً تحاصرها ثلاث مستوطنات ويخنقها شارعان استيطانيان. مشهدٌ قاتم يرسمه عايد غفري الناشط في لجان الحماية، بدأ بالتصاعد منذ عام 2020 مع ظهور الاستيطان الرعوي الذي نقل المواجهة من التلال البعيدة إلى تخوم البيوت.
ومع انفجار موجة الاعتداءات غير المسبوقة في عام 2023، لم يجد الأهالي بُدًا من مأسسة دفاعهم؛ فأنشأوا لجنة حماية شعبية تدير "نوبات حراسة يومية" من الثامنة مساءً وحتى السادسة صباحًا. وبدلًا من صافرات الإنذار التي يتجنبها الحراس منعًا لبثّ الذعر في القرية ومراعاةً لنفسية الأطفال، تعتمد اللجنة نظامًا دقيقًا للرصد عبر الهواتف والمصابيح ونقاط المراقبة الثابتة.
يوضح غفري لـ "نوى" طبيعة مهمة الحُرّاس: "ما أن يعطوا إشارة التحذير، يهبُّ شبان القرية في دقائق معدودة كجسدٍ واحد لإحباط الهجوم، دون أن يُغفلوا توفير الحد الأدنى من الأمان للأطفال والنساء وكبار السن والمرضى".
ويؤكد أن 95 في المئة من هجمات المستوطنين المسلحين تتم تحت أنظار جيش الاحتلال. وفي اللحظة التي يشعر فيها المهاجمون بالخطر، جرّاء تصدي الشبّان لهم، يتدخل الجيش فوراً، لا لفرض النظام، بل لتأمين انسحاب المستوطنين وقمع الفلسطينيين بالرصاص الحي والتنكيل.
"ندرك جيداً أننا وحدنا في الميدان؛ فالصلاحيات الممنوحة للمستوطنين جعلت من حماية البيت مسؤوليةً فردية وجماعية قسرية".
ويضيف بنبرة ثبات: "ندرك جيداً أننا وحدنا في الميدان؛ فالصلاحيات الممنوحة للمستوطنين جعلت من حماية البيت مسؤوليةً فردية وجماعية قسرية"، لافتاً إلى أن هذا التكامل في الأدوار داخل القرية بات يمثل خط الدفاع الأول والأخير في مواجهة منظومةٍ، يرى السكان أنها صُمّمت لاقتلاعهم من أرضهم.
ومع أن اللجان نجحت في إحباط مئات الاعتداءات بعيداً عن الأضواء، لكن الحراس أصبحوا هدفاً مزدوجاً؛ فهم ملاحقون من المستوطنين، وأيضاً تستهدفهم قوات الاحتلال بالاعتقال.
التراجع ليس وارداً
تتجاوز ظاهرة "لجان الحراسة الليلية" كونها مجرد رد فعلٍ عفوي؛ إذ يرى المراقبون أنها باتت انعكاساً مباشراً لحجم الضغط الوجودي الواقع على القرى الفلسطينية، وإدانةً صريحة لفشل المنظومة الدولية في لجم تغوّل المستوطنين. ورغم توثيق الانتهاكات بالصوت والصورة، يبقى الفلسطيني وحيداً في مواجهة اعتداءاتٍ مؤسسية منظمة.

ورغم محدودية الإمكانات التي تعتمد حصرًا على الجهد البشري والوعي الجماعي، إلا أن إصرار اللجان على الاستمرار يظل سيد الموقف؛ حيث يؤمن الأهالي أن التراجع يعني "فتح الباب على مصراعيه لتهجيرٍ صامت".
في القرى الفلسطينية، لا ينام الليل. فبين ثنايا الجبال وأشجار الزيتون، سهدت عيون الحراس، لأن واقعًا قاسياً أجبرهم على أن يكونوا "درعًا بشريًا" يحمي ما تبّقى من الأرض والبيت، في معركةٍ يومية عنوانها "إرادة البقاء".
























