غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يضحك جمال كما لو أنّ العالم لم ينكسر يومًا. ضحكةٌ قصيرةٌ وعالية تسبق خطواته المتعثّرة في مساحةٍ ضيّقة، يركض خلف ظلّه، ثم يلتفت باحثًا عمّن يصفّق له.
لا شيء في ملامحه الصغيرة يشي بأنّه طفل انتُشل من تحت الركام، أو أن اسمه كُتب وحيدًا في نهاية قائمة طويلة من الشهداء. من يراه الآن يظنّ أن عائلته في الغرفة المجاورة، وأن أمّه تراقبه بصمت، وأن إخوةً سيشاركونه اللعب بعد قليل، غير أن الحقيقة أثقل من أن تُرى؛ جمال محمد نصار هو الناجي الوحيد من بين عائلةٍ كاملة قضت بقصفٍ مباغت.
إلى جواره تجلس رواء خضير، زوجة خاله، تراقب حركته التي لا تهدأ، وتقول: "لا يعرف بعدُ ما حدث، ولا يشعر بأنّ شيئًا ما ينقصه. نحن من نشعر بذلك".
تتوقف لحظة، ثم تعترف: "أحيانًا أراه يضحك فأخجل من حزني.. في ضحكته حياةٌ كاملة، وفي ذاكرتي مشهد موتٍ لا يهدأ".
في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2023م، كان جمال قد أتمّ شهره الحادي عشر. في ذلك اليوم، قُصف منزل العائلة مرتين وفقًا لرواء.
"الضربة الأولى بثّت الخوف، والثانية أنهت كل شيء" تخبرنا بحرقة، وخلال دقائق، فقد شقيقتيه، وشقيقه الأكبر، ووالده ووالدته، وجدّه وجدّته، وأعمامه وزوجاتهم! "لم يبقَ له أحد، لم يبقَ إلا هو. كان في حضن أمّه وردة لحظة القصف؛ وردة التي عاشت يتيمة، وحاولت أن تبني عائلة كبيرة تعوّض بها طفولة بلا سند" تزيد.
كانت وردة وحسب وصف رواء شديدة التعلّق بأطفالها، كأنها تستشعر قصر الوقت، "وحين استُشهدت، كانت تضمّ جمال إلى صدرها (..) لم تنجُ هي، لكنه نجا" تعقب.
بعد الحرب، لم يكن هناك بيت يعود إليه الطفل، ولا غرفة تحتفظ برائحة أمّه. انتقل إلى خيمة خاله؛ خيمة لم تُهيَّأ لاستقبال طفل فقد عائلة!
"الأيام الأولى كانت ثقيلة، خفتُ أن أتعلّق به ثم أخسره فجأة، لكنني أدركت سريعًا أن الخوف لا يمنع الفقد، وأن ما أستطيع فعله الآن هو تحمل المسؤولية".
تزيد زوجة الخال: "الأيام الأولى كانت ثقيلة، تعاملتُ معه بحذرٍ يشبه الخوف، خفتُ أن أتعلّق به ثم أخسره فجأة، لكنني أدركت سريعًا أن الخوف لا يمنع الفقد، وأن ما أستطيع فعله الآن هو تحمل المسؤولية".
وتقول بثبات: "لستُ أمّه التي أنجبته، لكنني أمّه التي تربيه"، متحدثةً عن تفاصيل يومه كأنها تبني جدارًا من الطمأنينة حوله: "أطعمه، أراقب نومه، أنتبه لكلماته الأولى، وأفرح بثرثرته الكثيرة وضحكاته المتكررة. كأنه يعاند الموت بالحياة في كل ضحكة".
السؤال الأكبر يقف في الطريق إلى المستقبل: ماذا ستقول له حين يسأل عن أمّه؟ كيف ستخبره أنه كان في حضنها حين استُشهدت؟ وأنه خرج وحده من بين عائلة كاملة لم يبقَ منها سوى اسمه؟
غير أن السؤال الأكبر يقف في الطريق إلى المستقبل: ماذا ستقول له حين يسأل عن أمّه؟ كيف ستخبره أنه كان في حضنها حين استُشهدت؟ وأنه خرج وحده من بين عائلة كاملة لم يبقَ منها سوى اسمه؟ تفكر في الغد أكثر مما تفكر في اليوم، لأن الطفل الذي لا يحمل ذاكرة القصف سيحمل نتائجه طوال عمره.
جمال، بعيون أمّه التي تربيه، حكاية حياة بدأت محمّلة بما لا يُحتمل. طفلٌ لا يعرف أنه نجا وحده، بينما يعرف الجميع أن نجاته مسؤولية مضاعفة.
تحاول العائلة أن تكون له حضنًا جديدًا، أن تزرع له جذورًا جديدة في أرضٍ ما زالت ترتجف.. وبين خيمة تضيق بأهلها، وذاكرة تتّسع للفقد، يركض جمال ضاحكًا كأن ضحكته وعدٌ صغير بأن الحياة مهما انكسرت، يمكن أن تبدأ من جديد فوق كل هذا الخراب.
























