شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:15 بتوقيت القدس

رحلةٌ شاقة ولا أحد يلتفت لمعاناتهم

مسنّون يعبرون محيط الركام طلباً للدواء

16 فبراير 2026 - 09:04

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

 يتكئ حسن دياب البالغ من العمر (75 عاماً) على حفيده، في أثناء توجهه لمستشفى العودة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. هذا المسن كل صباحٍ، ينتعل حذاءه المهترئ، حاملاً حقيبته الصغيرة المليئة بالأدوية، وغالبًا ما تكون مسكناتٍ للألم؛ لا أكثر.

يعاني دياب من ارتفاع ضغط الدم والسكري؛ ويشعر بأن جسده لم يعد قادراً على حمله، لكنه يصرّ على ألا يستسلم لآلامه، أملًا منه في الحصول على العلاج، رغم كل الصعوبات التي تعترض طريقه.

"لا تُوجد سيارات، والمواصلات المتوفرة باهظة الثمن. أحيانًا أركب مع الجيران على عربة حمارٍ تمر بين الركام، وأكافح للوصول عبر الشوارع المدمرة".

أسأل العم دياب عن المشكلة التي تؤرّقه في هذا الجانب، فيقول: "لا تُوجد سيارات، والمواصلات المتوفرة باهظة الثمن. أحيانًا أركب مع الجيران على عربة حمارٍ تمر بين الركام، وأكافح للوصول عبر الشوارع المدمرة".

يحاول أن يتمسك بصبره، وهو يواصل كلامه: "دون مبالغة، الطريق تصبح أطول، وجسمي يزداد وهناً. بالمختصر، الرحلة إلى المستشفى أضحت مغامرةً محفوفة بالمخاطر جرّاء الركام المنتشر، والطرقات المليئة بالحفر، ولا ينفك التساؤل يلحّ علي: "هل سأتمكن اليوم من الحصول على العلاج".

لساعاتٍ طويلة، يقف الرجل في المستشفى في طوابير المرضى، وأحيانًا يعود دون أي دواء، حزينًا متعبًا. ولا يملك إلا أن يُواسي نفسه: "أنا أفضل من غيري، من المؤسف أننا أصبحنا نقارن أنفسنا بمن هم أسوأ حالاً، لعلّنا نتقبل الحياة التي نعيشها".

فاطمة الجدي، ثمانية وستون عامًا من التعب. فقدت منزلها في أثناء حرب الإبادة، وتعيش الآن مع أبنائها وأحفادها في خيمة صغيرة، لا تقي من مطرٍ ولا حرّ.

 تشكو الجدة النومَ على فراشٍ مهترئ على الأرض، يقصم ظهرها ويزيد سوءَ حالتها. وترى أن كبار السن ذابوا من شدّة الآلام التي تعصف بهم على نحو مضاعف مع معاناة النزوح والعيش في الخيام، مضيفةً: "اِنهرنا من التعب، إلى متى سنعيش في خيامٍ لا تصلح للحياة الآدمية، ودون أن نتلّقى العلاج".

 ودون طائل، تبحث المسنّة عن الأدوية فتجد معظمها مفقوداً من المراكز الطبية، ثم تضطر للاكتفاء ببعض المسكنات -إن توفرت- وفقاً لقولها.

كل يوم هو "دوّامة صراع" بما تحمله الكلمة من معنى، حيث لا حمَّام مهيئ، ولا أدوية، ولا فراشَ مريح، معبرةً عن وجع الجميع: "المأساة تضربنا في أعماق قلوبنا، والصبر ليس خيارنا، بل أمر الله الذي كُتب علينا".

"في الماضي كنت أستقلّ السيارة، اليوم لا توجد سيارات، ولا أملك المال لدفع أجرتها إن توفرت. أحيانًا أذهب إلى المستشفى مشياً على الأقدام، وأحيانًا على عربات الدواب".

محمود عابد يبلغ من العمر (72 عامًا)، لديه مشكلة صحية في القلب والتنفس، ويقطن بالقرب من شارعٍ تحوّل إلى ممرٍ ضيق بين المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان، غربي مدينة غزة.

يحدّثنا عن رحلته اليومية بقوله: "في الماضي كنت أستقلّ السيارة، اليوم لا توجد سيارات، ولا أملك المال لدفع أجرتها إن توفرت. أحيانًا أذهب إلى المستشفى مشياً على الأقدام، وأحيانًا على عربات الدواب، محاولًا تجاوز الركام والمباني المدمرة".

ويشفق على نفسه، حين يستنشق غبار الطريق حتى يكاد نَفسه ينقطع قبل وصوله، معرباً عن شعوره بالخيبة: "حتى عندما أصل، غالبًا ما يعطونني مسكناتٍ بدلاً من الدواء المطلوب، وقد لا أحصل على شيء إطلاقاً. أشعر أن مرضي يزداد سوءاً يومًا بعد يوم، ولم تعد لي حيلة لمواجهته".

ويتساءل عابد: "أليس ظلمًا أن أشخاصاً تجاوزوا السبعين يركضون بين الركام والطوابير للحصول على أي نوعٍ من الدواء لتخفيف آلامهم"، ثم يردّ على نفسه: "لا أعرف من أسأل بعد عامين من الموت في "بثٍ حي ومباشر"، فالذي لم يحرك ساكنًا لإيقاف الإبادة، لن يلتفت إلى رجلٍ ربما اقتربَ أجله".

"لا أعرف من أسأل بعد عامين من الموت في "بثٍ حي ومباشر"، فالذي لم يحرك ساكنًا لإيقاف الإبادة، لن يلتفت إلى رجلٍ ربما اقتربَ أجله".

 لا كلام يُقال، أمام آلافٍ من كبار السن في غزة يعانون أمراضاً مزمنة، تتطلب متابعةً دقيقة وعلاجًا مستمرًا، حيث نقص المستشفيات وانقطاع الكهرباء وغياب المواصلات يجعل الوصولَ إلى مراكز الرعاية شبه مستحيل.

وسبقَ أن أكدت منظمة الصحة العالمية في تقارير لها، ارتفاعَ مضاعفات الأمراض المزمنة وزيادة حالات الوفاة المبكرة، خصوصًا بين من يعيشون في خيامٍ أو منازل مدمرة. فيما تحاول المراكز الطبية في غزة سدّ الفجوات، لكن الحصار الإسرائيلي والقيود على دخول الأدوية والمعدّات الطبية يجعل المعركةَ اليومية صعبةً جدًا.

كاريكاتـــــير