شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:09 بتوقيت القدس

أطفال غزة..

عيونٌ تراقب ضجيج "السماء" في ساحات لعبٍ ضيقة!

15 فبراير 2026 - 12:04

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أحد مراكز الإيواء غربي مدينة غزة، يجلس الطفل محمد الحديدي (11 عامًا) عند مدخل الخيمة، يراقب أطفالًا أصغر منه يجرّونه إلى اللعب بلا حماسة.

لم تكن عيناه تتبعان الكرة بقدر ما كانتا تتبعان السماء. يقول بصوت خافت: "في السابق كنّا نلعب كرة القدم، أمّا اليوم فاللعب مُرهق".

تعرّض أكثر من 60% من المباني السكنية في قطاع غزة للتدمير الكلي أو الجزئي، ما حرم الأطفال من أبسط مساحات الحركة، وحوّل الشارع ـ الذي كان متنفسهم الأول ـ إلى مصدر خطر دائم.

يقصد محمد بـ"السابق" ما قبل الإبادة الإسرائيلية التي لم تتوقف في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، ويقول كمن يستعيد مشهدًا لا يغادره: "كلما ركضتُ تخيّلتُ الطائرات تلاحقني"، تمامًا كما حدث في نهاية عام 2024م حين أطلقت طائرة إسرائيلية صواريخها على أصدقائه، فقتلت ثلاثة منهم بينما كانوا يلعبون الكرة.

محمد واحد من آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين يعيشون بلا مساحة آمنة للعب، ضمن واقعٍ تؤكد منظمات أممية بأن جميع أطفاله باتوا بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي جرّاء الحرب المتواصلة، والنزوح، وفقدان الشعور بالأمان.

لم يعد اللعب فعلًا عفويًا يولد من بين الضحكات، بل نشاطًا مشروطًا بالسؤال عن المكان أولًا: هل هو آمن؟ وهل السماء صافية من الطائرات؟ حتى الأحياء التي كانت ساحات مفتوحة للكرة والدراجات تحوّلت إلى أكوام من الركام، وممرات ضيقة بين الخيام.

سمر كحيل، أم لثلاثة أطفال نزحت من حي الشجاعية، تخبرنا أن منزلهم هُدم في الأيام الأولى للحرب، وأن الشارع اختفت ملامحه تحت وطأة التدمير، وصار الحي بأكمله ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يُحظر على السكان تجاوزه، وإلا كان القتل مصيرهم.

تعيش اليوم في خيمة بشارع عمر المختار وسط غزة، وتتساءل بمرارة: "معظم المنازل من حولنا آيلة للسقوط، فأين سيلعب أطفالي؟ بين الحجارة؟".

ووفق بيانات رسمية، تعرّض أكثر من 60% من المباني السكنية في قطاع غزة للتدمير الكلي أو الجزئي، ما حرم الأطفال من أبسط مساحات الحركة، وحوّل الشارع ـ الذي كان متنفسهم الأول ـ إلى مصدر خطر دائم.

لم تعد الأزقة تعرف صخب الدراجات الصغيرة، ولا ارتطام الكرة بالجدران، بل صارت تعرف أصوات الانهيار، ورائحة الغبار، ووقع الأقدام الهاربة من القصف المباغت.

في مراكز الإيواء، لا تبدو الصورة أقل قسوة، الأطفال محاصرون داخل مساحات مكتظة، بلا خصوصية ولا هدوء.

تقول أميمة عبد الهادي، وهي أم لأربعة أطفال تعيش داخل خيمة في إحدى المدارس التي تحولت لمراكز إيواء: "نمنعهم من اللعب خارج الخيمة".

لا تفعل أميمة ذلك خشية الشجار، بل خوفًا من القصف، وتضيف: "المدارس كانت مسرحًا للقصف، وذكرياتها سيئة في عقولنا نحن الكبار قبل الصغار. يظل هذا الهاجس يراودني في كل وقت".

غياب المكان الآمن انعكس مباشرة على نفسية الأطفال، وهذا ما تؤكده الأخصائية النفسية لانا محمود، "فاللعب يحتاج إلى شعور بالسيطرة والحرية، لكن الطفل هنا لا يملك أيًا منهما".

يعاني نحو 90% من أطفال غزة من أعراض نفسية متفاوتة، في ظل انهيار شبه كامل لخدمات الصحة النفسية، واستنزاف الكوادر، وصعوبة الوصول إلى العائلات.

وترصد الأخصائية النفسية أعراضًا واضحة: "قلق دائم، صمت طويل، نوبات بكاء مفاجئة، وتعلّق مفرط بالأهل"، موضحةً أن الأمر لا يقتصر على الأطفال، بل يمتد إلى عائلاتهم التي عاشت تجارب التهديد المباشر بالقصف، وأوامر الإخلاء الفورية، والسير نحو المجهول بحثًا عن ملاذ آمن".

وتتابع: "الحرب في قطاع غزة لم تنتهِ بشكلها الكامل؛ فالقصف قد يباغت الناس في أي وقت، والخروقات الإسرائيلية المستمرة تعمّق الإحساس بالخطر (..) ما فعلته الحرب من تقليص هائل لمساحات اللعب بفعل التدمير، تُكمله هذه الخروقات بتهديد العائلات، بل والأطفال أنفسهم، بالاستهداف المباشر".

وبحسب تقديرات أممية، يعاني نحو 90% من أطفال غزة من أعراض نفسية متفاوتة، في ظل انهيار شبه كامل لخدمات الصحة النفسية، واستنزاف الكوادر، وصعوبة الوصول إلى العائلات. أرقامٌ لا تختصر الحكاية، لكنها تشير إلى جيلٍ ينمو في ظل الخوف، ويكبر قبل أوانه.

مع غروب الشمس، يتراجع اللعب أكثر، ويعود الأطفال إلى خيامهم باكرًا، لا لأن التعب أنهكهم، بل لأن الظلام يضاعف الخوف.

تقول سمر: "ابني لم يعد يسأل عن ألعاب، بل يختم يومه بدعاء واحد: "يا رب ما نموت الليلة". بين أمنية النجاة وأمنية اللعب، تختار الطفولة في غزة أن تؤجل أحلامها الصغيرة، ريثما يسكن ضجيج الرعب في السماء.

كاريكاتـــــير