شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:10 بتوقيت القدس

خرج يبحث عن حطب فعاد شهيدًا..

انطفأت طفولة "معتصم" ولم تشتعل النار تحت قِدر أمه!

27 يناير 2026 - 08:09
والدة الطفل معتصم الشرافي في وداعٍ مؤثر
والدة الطفل معتصم الشرافي في وداعٍ مؤثر

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يخرج معتصم الشرافي بحثًا عن مغامرة، ولا لعب، ولا حتى عن حلم صغير يشبه عمره، "خرج ليبحث عن حطب، فقط كي نُعدّ طعامًا. لم أتوقع أبدًا، ولم أتخيل، أن يعود إليّ مضرّجًا بدمه"، يقول والده أحمد الشرافي بصوتٍ متصدّع.

في بيتٍ أنهكه الحصار كما آلاف البيوت، لم يعد الغاز متوفرًا، ولا الكهرباء حاضرة، ولا الخيارات مفتوحة. صارت النار حلمًا يوميًا، وصار الحطب ضرورة لا رفاهية، وصار الأطفال جزءًا من معركة البقاء.

كان معتصم يرتجف من البرد وهو مصاب. النزيف كان أسرع من أي محاولة إنقاذ، وسيارات الإسعاف لم تتمكن من الوصول إلى المكان. "في تلك اللحظة، لم يكن إنقاذه بحاجة إلى أكثر من طريقٍ آمن".

في ذلك اليوم، توجّه معتصم (11 عامًا) إلى إحدى التكايا الخيرية القريبة من منزله في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، يستفسر عن توفر وجبة طعام، لكنه ما لبث أن عاد سريعًا، بخيبةٍ أكبر من قدرته على الاحتمال. يحكي والده بحرقة: "عاد إليّ وقال: لا يوجد طعام. فقلت له إنني سأُعدّ بطاطا مع البيض، لكننا نحتاج إلى نار. فبادر بالقول: سأبحث عن حطب".

لم ينتظر طويلًا. حمل كيسًا صغيرًا، وخرج إلى محيط المنطقة يبحث عن أي شيء يمكن أن يتحول إلى لهبٍ يُبقي الجوع بعيدًا عن والديه وأخوته. دقائق قليلة مرّت، قبل أن يتلقى الأب اتصالًا من ابنه الآخر: "لم يكن الصوت عاديًا. قال لي: أسرِع، لقد أطلقوا النار على معتصم، وهو بحاجة إلى إسعاف".

ركض أحمد الشرافي كما لم يركض من قبل. زحف على الأرض ليصل إلى ابنه، فيما الرصاص ينهمر من كل صوب، والمكان مكشوف، والموت أقرب من أي نجدة.

يخبرنا: "وصلت إليه وهو ينزف. الرصاصة اخترقت جسده بمدخل ومخرج. حملتُه، وكان دمه يسيل عليّ وعلى الأرض".

وفقًا لوصف أبيه، كان معتصم يرتجف من البرد وهو مصاب. النزيف كان أسرع من أي محاولة إنقاذ، وسيارات الإسعاف لم تتمكن من الوصول إلى المكان. "في تلك اللحظة، لم يكن إنقاذه بحاجة إلى أكثر من طريقٍ آمن" يعقب الأب المكلوم.

لم يعرف معتصم طفولة مستقرة. أحد عشر عامًا عاشها بين حربٍ وتصعيد، بين نزوحٍ وخوف، وبين بيوت تُقصف وأيامٍ تُؤجَّل. موته بهذه الطريقة، كما يقول والده، يكشف بوضوح حجم الخطر الذي يلاحق الأطفال في المناطق الشرقية من خانيونس، حيث تدفع الحاجة بعضهم إلى الخروج بحثًا عن الحطب والوقود والطعام، في ظل حصار يمنع أبسط مقومات الحياة.

ويؤكد الشرافي أن استمرار القصف، ونقص الوقود، وانهيار كل ما يشبه الحياة الطبيعية، يجعل كل يوم اختبارًا جديدًا للنجاة، ويحوّل تفاصيل الطفولة إلى مهام ثقيلة لا تليق إلا بالكبار.

ووفق تقارير منظمات أممية، فإن انقطاع الوقود، وانهيار البنية التحتية للطاقة والمياه، فاقما معاناة المدنيين، ولا سيما الأطفال، الذين يُجبرون على الخروج في ظروف شديدة الخطورة لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية.

كما أن الحصار المفروض على مناطق شرقي قطاع غزة عمومًا، يعرقل وصول الدعم بشكل منتظم، ويجعل الحياة اليومية مغامرة مفتوحة على الخطر.

"ما يحدث مأساة مستمرة، لكنها لم تعد تظهر في الإعلام بصورتها الحقيقية. الحرب لم تنتهِ على الأرض. انتهت فقط في نشرات الأخبار"، يضيف الأب بمرارة.

اليوم، تبحث العائلات عن بدائل للطهي والتدفئة، تجمع الحطب، أو تشتري الوقود بأسعار باهظة إن وُجد. وفي واقع الإبادة، تحوّلت هذه الأعمال إلى واجبات يومية على عاتق الأطفال، فرضتها الحاجة، وكرّسها الحصار.

تستمر الحكاية شرقي خانيونس، كما يروي أحمد الشرافي، بلا كاميرات، وبلا عناوين عاجلة. أطفال يخرجون ولا يعودون، وآباء يعيشون بين الجوع والخوف والفقد، فيما تبقى الحياة الطبيعية احتمالًا مؤجلًا.. أو ذكرى.

كاريكاتـــــير