غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في صباحٍ باردٍ يتسرّب من ثقوب خيام النازحين في مواصي رفح جنوبي قطاع غزة، تجلس سارة الجمال، ابنة الخمسة عشر ربيعاً، القرفصاء قرب موقدٍ بدائيّ من الحطب. تراقب النار وهي تلتهم قِطع الخشب القليلة، بينما تحاول أن توازن بين أكثر من مهمة في آنٍ واحد: طهو ما تيسّر من طعام، ونقل المياه من نقطة بعيدة، وغسل الأواني المتراكمة منذ الليلة السابقة.
وإلى جوارها هاتفٌ قديم تستند به على حجرٍ مهترئ، تقول إنها تحاول عبره الالتحاق بحصّة تعليمية إلكترونية، لكن الصوت متقطّع، والصورة جامدة، والبطارية توشك على النفاد. تناديها أمّها للمساعدة، فتُغلق الشاشة على عجل، وكأن التعليم تفصيلٌ مؤجّل في حياةٍ باتت أولويتها البقاء.
ومع تعذّر التعليم الوجاهي، طُرح التعليم الإلكتروني حلًّا، لكنه اصطدمَ بواقعٍ معطوب مرير: انقطاع الكهرباء شبه الدائم، وضعف الإنترنت، وقلّة الأجهزة، وغياب البيئة المناسبة للتعلّم.
ومع تعذّر التعليم الوجاهي، طُرح التعليم الإلكتروني حلّاً إسعافياً، لكنه اصطدمَ بواقعٍ معطوب مرير؛ فانقطاع الكهرباء شبه دائم، ناهيك عن ضعف الإنترنت، وقلّة الأجهزة، وغياب البيئة المناسبة للتعلّم.
وكثير من الأطفال في غزة باتوا يتشاركون هاتفًا واحدًا، أو يقطعون مسافاتٍ طويلة بحثًا عن إشارة، فيما تتقدّم متطلبات البقاء اليومي على حساب الدراسة.
التزامٌ دولي حتى وقت الحروب
تخبرنا الطفلة سارة أن التعليم لم يعد مسارًا طبيعيًا في حياتها، بل إنه مجرد محاولةٍ شاقة تُخاض وسط النزوح والفقد وانعدام الحدّ الأدنى من مقومات التعلّم.
تتابع حديثها: "لم يكن سهلًا أن يدّمر الاحتلال مدارسنا طوال فترة الحرب، لم يكن سهلًا علينا أن تتحول لمراكز إيواء فنسكن بها ونُستهدف فيها أيضًا، كذلك فقدتُ معلمتين من معلماتي، وفي كل مرة أفتح مادتي اللغة العربية والرياضيات أتذكرهما وأبكي".

في الـرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير من كل عام، يُحيي العالم "اليوم الدولي للتعليم"، الذي أقرّته الأمم المتحدة تأكيدًا على أن التعليم حقّ إنساني أساسي وركيزةٌ للتنمية والسلام. يأتي هذا اليوم ليذكّر بأن الوصول إلى تعليمٍ شامل وعادل وجيّد للجميع ليس خيارًا، بل التزامًا دوليًا، حتى في أوقات النزاعات والحروب.
أما في قطاع غزة، فقد وجدَ الأطفال أنفسهم خارجَ الصفوف، أو داخلَ فضاءاتٍ مكتظّة لا تشبه المدرسة إلا بالاسم، تفتقر إلى الهدوء والأمان والمواد التعليمية، بل صارت معبأةً بذكرياتٍ مؤلمة من الفقد في المدرسة نفسها، ومرتعًا للحزن.
التعليم حقُ لا يسقط
آدم الزعانين عمره عشرة أعوام، كان يحمل حقيبته المدرسية أينما ذهب. حين قُصف منزله في حي تل الهوى جنوبي مدينة غزة، في يوليو 2025، دُفنت تحت الركام، كما ضاعت غرفته وسبورته المدرسية.
اليوم يعيش مع عائلته في مدرسة متضرّرة، تحوّلت فصولها إلى غرفٍ مزدحمة بالنازحين. تقول أمه إنه يحاول التمسّك بالتعلّم عبر أوراقٍ متفرّقة يوزّعها متطوّعون، أو شروحات سريعة في زوايا ضيّقة، لكن الضجيج والخوف الدائم وانعدام الخصوصية، تجعل التركيز مهمةً شبه مستحيلة.
وتشفق على حاله، بوصفها: "السبورة لم تعد عند طفلي مجرد لوحٍ كما كانت سابقًا، بل رمزًا لمساحةٍ آمنة للحلم، غيّبتها حرب الإبادة الإسرائيلية وكل تفاصيلها المرة".
بين الحاجة والفقد، يبدو حق التعليم معلّقًا في غزة، بين خيمةٍ متهالكة وشاشةٍ لا تصلها الإشارة، وبين طفلٍ يعمل بدلاً من أن يتعلّم، وطفلةٍ تُرهقها مهام النزوح قبل أن تفتح كتابها.
وأمام إحدى البسطات في منطقة السرايا وسط قطاع غزة، يعمل محمود فنونة (12 عامًا (في ترتيب البضائع مقابل أجرٍ بسيط يساعد به عائلته.
توقّف الفتى عن الدراسة منذ بداية الإبادة، بعدما باتت الأولوية لتأمين الطعام، وها هو يتساءل بنبرة ساخرة: "عن أي تعليمٍ نتحدث! المدرسة في نظري أصبحت ذكرى بعيدة، والتعليم الإلكتروني خيارًا مستحيلًا مع غياب الأجهزة والإنترنت".
يتذكر الطفل حياته قبل الحرب قائلًا: "كنت أحب المدرسة حقًا، واشتقت جدًا للمدّرسين لكن الآن أحسب فقط ساعات العمل ولا تهمني احتياجاتي الشخصية، بل تأمين أمي وإخوتي بعدما فقدتُ أبي في بداية الحرب بالقصف على غزة".
وبين الحاجة والفقد، يبدو حق التعليم معلّقًا في غزة، بين خيمةٍ متهالكة وشاشةٍ لا تصلها الإشارة، وبين طفلٍ يعمل بدلاً من أن يتعلّم، وطفلةٍ تُرهقها مهام النزوح قبل أن تفتح كتابها. ومع ذلك، لا يزال التعليم عند كثيرٍ من الأطفال "فعل مقاومةٍ صامت"، ومحاولةً عنيدة للتمسّك بالمستقبل في وجه واقعٍ يسعى إلى سلب طفولتهم.

ويتمتع الفتى أيمن حسنين بروح متقدة، إذ يؤكد أنه سيستمر في أخذ دروسه ويفعل المستحيل من أجل الحصول على شهادةٍ، كان هدف الاحتلال بتدمير مدرسته ألا يحصل عليها، حيث سيواصل عمله بائعاً على بسطة وكذلك مشوار تعليمه.
ويزيد: "الظروف مأساوية ولا يمكن اختصارها بكلمات، لكنني أحاول قدر الإمكان، وأبي دائمًا ما يقول لي إن الشهادة أعظم ما يمكن أن يحصل عليه المرء، وأن كل عمليات استهداف المدارس هدفها تجهيل الشعب الفلسطيني، وهذا ما لن يحدث أبدًا".
في اليوم الدولي للتعليم، لا يحتاج أطفال غزة إلى شعاراتٍ بقدر ما يحتاجون إلى حماية جادة لحقهم في التعلّم، وإلى إعادة الاعتبار للمدرسة "مساحةً للأمان"، وللتعليم حقّاً لا يسقط بالقصف ولا بالنزوح، بل يبقى النافذة الأخيرة نحو حياةٍ أكثر عدلًا وكرامة.
























