غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زاوية خيمةٍ مهترئة في مواصي رفح، جنوبي قطاع غزة، لا تقي برد الليل ولا رطوبةَ الشتاء، يتمدّد فارس عليان على فراش رقيق، يضغط بيده على صدره كلما اشتد السعال. حرارة جسده مرتفعة، أنفاسه متقطعة، ولا دواءَ في متناول اليد سوى بعضِ الأعشاب التي لم تعد تُجدي نفعًا.
هنا، في مخيم النازحين الذي يضم مئات الأسر، لا تُقاس الأمراض بخطورتها الطبية فقط، بل بقدرة المريض على تحمّلها وحده، وسط انعدام الرعاية الصحية، وبُعدِ المسافة عن العيادات، وغياب أبسط مقومات العلاج.
يقول فارس الذي يبلغ من العمر (22 عامًا): "أن تمرض وأنت نازح يعني أن تواجه المرض بلا حماية. الخيمة مزدحمة، والطقس سيئ، والبرد يزيد الأعراضَ سوءًا، حتى لو أردتُ الذهاب إلى عيادة، فهي بعيدة، وغالبًا أعود بلا دواء".

ويضيف: "المعاناة تمتد حتى إلى قرار النهوض من الفِراش إلى الحمّام. أشعر بغصةٍ وقهر، حين يتسلل البرد إلى أعماق قلبي وليس جسدي فحسب. أمشي متثاقل الخُطى، وفي مكان يشبه كل شيء إلا الحمّام الذي كنا نعرفه قبل الإبادة".
مشهد فارس ليس استثناءً، لا ينفك الناس في مواقع التواصل عن نشر قصص إصابتهم بالأنفلونزا والأمراض التنفسية الحادة، ما يكشف عن أزمةٍ صحية أوسع تتداخل فيها عواملُ النزوح، ونقصُ الأدوية، وسوءُ التغذية، لتجعل من مرضٍ موسمي عبئًا إضافياً على أجسادٍ أصابها الإعياء، وأنهكها الفقد والحصار.
نور أمٌ لثلاثة أطفال، تُخفض صوتها وكأنها تخشى أن تُوقظ حُمّى أطفالها النائمين: "بدأت الأعراضُ بسيطة: رشحٌ وحرارة، لكن مع الأيام ساء الوضع. ذهبتُ إلى العيادة، لم أجد سوى تشخيصٍ بلا علاج. قالوا لي: "لا أدوية كافية، حاولي تخفيف الأعراض فقط".
وتشكو ندرةَ المسكنات وخافضات الحرارة، ما يترك الأمهاتُ في مواجهةٍ مفتوحة مع المرض، دون أي سندٍ طبي، خصوصًا مع توالي المنخفضات الجوية وغرق الخيام أخيراً.
ولا تنفصل هذه الشهادات عن الواقع الصحي العام؛ إذ تعاني المنظومةُ الطبية نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية، حيث تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن أكثر من نصف الأصناف الدوائية الأساسية نفد مخزونها، فيما تعاني المستشفيات والعيادات من عجزٍ كبير في المستلزمات الطبية والفحوصات المخبرية.

هذا النقص لا يقتصر على أدوية الأمراض المزمنة أو الحالات الحرجة، بل يشمل أيضًا أدويةٌ شائعة تُعد خط الدفاع الأول أمام أمراض مثل الإنفلونزا.
إلى جانب غياب الدواء، يبرز عاملٌ آخر لا يقل خطورةً، وهو سوء التغذية. وهنا تقول سلمى الدنف، وهي نازحة تعيل طفلين، إن الطعام الذي تتناوله هي وأسرتها لا يقوّي الجسم، غالبيته من المعلبات والنشويات، بلا خضار أو فاكهة.
سلمى المُتعَبة من ظروف لا تتحسن، تعبّر عن قلقها: "أطفالي يمرضون بسرعة، ويتأخر شفاؤهم، والطبيب أخبرني أن ضعف التغذية يجعلهم أكثر عرضة لأي فيروس".
وبالنظر إلى بيئةٍ يندر فيها الغذاء الصحي، كقطاع غزة، نجد أن المناعة تضعف، ويصبح الجسمُ أقل قدرة على مقاومة العدوى، ما يفسر سرعة انتشار الأمراض التنفسية، وطول فترة التعافي، وازدياد المضاعفات، خاصة عند الأطفال وكبار السن، وهذا ما حدث تمامًا مع تلك الأم التي ظلت طريحة الفراش وطفليها قرابة أسبوعين دون تحسن، حسبما ذكرت في حديثها.
أبو سلمية: "فاقت نسبة إشغال المستشفيات 150%، أمام انعدامٍ تامٍ للأدوية والمستهلّكات الطبية".
وفي تصريحات صحفية، قال د. محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، إن هناك أعدادًا كبيرة من المرضى، وزيادةً مطّردة في أعداد الداخلين إلى المستشفيات؛ بسبب فيروس الإنفلونزا شديد العدوى الذي يضرب قطاع غزة.
فيما يؤثر الفيروس على الفئات الأكثر هشاشة وهم الأطفال وكبار السن والنساء، تبعاً لقوله.
وأكد د. أبو سلمية أن المستشفيات تعجّ بهؤلاء المرضى، وقد فاقت نسبة إشغال المستشفيات 150%، أمام انعدامٍ تامٍ للأدوية والمستهلّكات الطبية، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية هي من أسوأ المراحل على مدار حرب الإبادة؛ بشأن نقصَ المُستهلّكات الطبية والأدوية. فهناك عجز في بعض التخصصات يزيد على 100٪، وبعضٍ آخر بنسبة 70٪.
أمام هذا المشهد المفتوح، تستمر مآسي غزة، بين مرضى يتعافون وحدهم، وأمهاتٍ يراقبن الحُمّى بدلاً من خفضها، وأجسادٍ تساير الألم بانتظار ما لا يأتي. لا نهاية واضحة لهذه القصة بعد، سوى أنها تُكتب كل يومٍ من جديد داخل خيمة، وعلى سرير بلا دواء، وفي نظامٍ صحي يحاول البقاء واقفًا بأقل مما يحتاج.
























