غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في لحظةٍ خاطفة، انقلب الصباح إلى صراخ. كانت الطفلة لين تجلس داخل خيمة عائلتها في مواصي رفح، حين اخترقت رصاصةٌ الخيمةَ المهترئة، وأصابتها في جزءٍ من رأسها.
لم تدرك العائلة في البداية ما جرى؛ الدم كان أوضح من الصوت. حملتها أمها وهي تصرخ، فيما جدّتها ضغطت بيديها المرتجفتين على رأس طفلتها الصغيرة؛ محاولةً إيقاف النزيف.
في المستشفى الميداني، أُغلق الجرح بخمس غُرز. نجت لين، لكن الرعب لم يغادر المكان، ولا العائلة، ولا المخيم كله. خيمةٌ قيل للنازحين إنها "آمنة"، تحولت في ثانيةٍ إلى هدف، وطفلةٌ إلى رقمٍ جديد في سجّل الخوف المفتوح.
"الخيمة لا تحمي من رصاصٍ ولا من موت، حتى الطقس لسنا في مأمنٍ منه، سواءَ حين تزورنا المنخفضات أو في فصل الصيف عندما تلهبنا أشعة الشمس".
جارتهم، سماهر خضر لم تُصِب إحدى رصاصات الاحتلال أبناءها، لكنها تقول إنهم "نجوا صدفةً" أكثر من مرة، قبل أن تشير بيدها إلى خيمتها المثقوبة، مضيفةً: "الرصاص اخترق الخيمة أكثر من مرة. في مرةٍ كنا نائمين، وفي مرة كان الأطفال يلعبون. لو تحركوا خطوة واحدة فقط، لكانوا الآن شهداء".
وتأسف سماهر لما آل إليه الحال، فلا مكان يلوذون به، والخيمة لا تحمي من رصاصٍ ولا من موت، حتى الطقس ليست في مأمنٍ منه، سواءَ حين تزورهم المنخفضات أو في فصل الصيف عندما تلهبهم أشعة الشمس.
ما يحدث في مواصي رفح لم يعد حوادثَ متفرقة، بل نمطًا متكررًا من إطلاق النار على مناطق مكتظة بالنازحين، مع أنها مناطقُ لجوءٍ قسري، ورغم استمرار الحديث عن هدنة يُفترض أن تحمي أهالي القطاع.

منذ سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الفائت، وثّقت مصادرُ طبية وحقوقية في قطاع غزة استشهادَ المئات من الفلسطينيين وإصابةَ أعدادٍ أكبر، جراء خروقات متواصلة شملت إطلاقَ نار مباشر، وقصفًا متقطعًا، واستهدافَ مناطقَ مأهولةٍ بالمدنيين، منها مناطق نزوح.
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أنه منذ بدء الهدنة وحتى السابع من يناير 2026، قُتل ما لا يقل عن 420 فلسطينيًا وأصيب نحو 1184 آخرين في خروقاتٍ متواصلة أُحصيت من إطلاق نارٍ وقذائف، بينما وُجد عددٌ من الجثث تحت الأنقاض لا يزال في طور الانتشال.
ومن اللافت وفق البيانات، فإن الأطفال والنساء يشكّلون نسبة كبيرة من الضحايا هذه الفترة، مع غياب أي مساءلة، واستمرار القيود على الإسعاف والإنقاذ، وتأخر وصول المصابين إلى المستشفيات المتهالكة أصلًا جراء الحرب.
"لو كان هناك مكانٌ آخر لرحلت مع أسرتي فورًا. ما من أرضٍ فارغة، كلُ شبرٍ ستجد خيمةً أو عائلة.. نحن عالقون. لا نعرف العيشَ بسلام، ولا حتى موتاً مريحاً بضربة واحدة".
الأرقام، وإن بدت جافة، لا تعكس سوى جزءٍ من الواقع حيث الرصاص لا يتوقف، وهدنة لا تصل إلى الخيام، بل يُسمى الرصاصُ في غير مُسمّاه الحقيقي "طائشاً" كما يوسمه الناس، لأنه لا يعرف هدنةً ولا حرباً، فقط يُصوّب نحوهم دون سبب مقنع لموتهم، حسب وصف عادل فرحات.
في طرف المخيم، يقف عادل، وهو أبٌ لخمسة أطفال، ناظراً إلى خيامَ متلاصقة وكأنها تحاول الاحتماء ببعضها البعض.
"لو كان هناك مكانٌ آخر لرحلت مع أسرتي فورًا. ما من أرضٍ فارغة، كلُ شبرٍ ستجد خيمةً أو عائلة" يقولها متمنياً ألا يفرغ صبره. وبالكاد يحاول تماسكَ أعصابه، مواصلاً كلامه: "نحن عالقون. لا نعرف العيشَ بسلام، ولا حتى موتاً مريحاً بضربة واحدة".
نزحَ الرجل من بيته، ثم من المدرسة، ثم من مكان إلى آخر، إلى أن انتهى هنا. وحتى هذا المكان لم يعد آمنًا، ولا خيارَ بعده.
وما بين رصاصةٍ تخترق خيمة، وطفلةٍ تُخاط رأسها بخمس غُرز، وأبٍ يبحث عن بقعة أرض لا يجدها، يتجسد تيه النازحين في رفح، فلا ملجأ، ولا حماية، ولا أفقَ سوى انتظارِ رصاصةٍ قد تأتي، أو صدفة أخرى تنقذهم مؤقتًا.
























