شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 22 يناير 2026م11:23 بتوقيت القدس

جرحى غزة..

بين الصدمة وتواضع "التأهيل": "النجاة من الرصاص لا تكفي"!

07 يناير 2026 - 15:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كنت كطفلة، أو دمية لا تقوى على مساعدة نفسها"، هكذا تصف شيرين ريان (30 عامًا) اللحظة التي انكسرت فيها حياتها إلى الأبد، بعد استشهاد زوجها الذي خرج ذات يوم باحثًا عن حليب لطفلتهما الرضيعة، ولم يعد.

في ذروة المجاعة التي فتكت بسكان مدينة غزة وشمالي القطاع، لاحق زوج شيرين طرود المساعدات التي ألقتها الطائرات في سماء المدينة. لم يوقفه البحر حين سقطت بعض الطرود في مياهه، اندفع خلفها بملابسه، وبأملٍ واحد: أن يحصل على طرد يحتوي على حليب أطفال.

خرج عماد ولم يعد. تضاربت الروايات التي وصلت شيرين؛ قيل إنه استشهد برصاص الزوارق الحربية الإسرائيلية، وقيل إنه غرق، والنتيجة واحدة: أرملة ترعى طفلة يتيمة، دون أن تحظى حتى بفرصة وداع زوجها أو دفنه.

البحر الذي طالما أحبته شيرين، تحول في وعيها إلى "وحش" ابتلع زوجها وتركها وحيدة في مواجهة الحياة. وهو البحر ذاته الذي لم تجد وأسرتها مكانًا لنصب خيمة نزوحهم إلا على شاطئه غربي مدينة غزة. هناك، استيقظت شيرين ذات صباح وهي لا تشعر بأحد أطرافها.

"لأيام لم يتوقف تفكيري عن آخر لحظاته، كيف مات؟ برصاصة أم غرقًا؟ أين جثته؟ وفي ليلة لم أنم فيها إلا قليلًا، جاء الصباح وأنا أفقد الإحساس بيدي ولا أستطيع تحريكها".

تقول لـ "نوى": "كانت خيمتنا تطل مباشرة على البحر.. هذا البحر الذي أصبحت أعماقه الباردة قبرًا لزوجي. لأيام لم يتوقف تفكيري عن آخر لحظاته، كيف مات؟ برصاصة أم غرقًا؟ أين جثته؟ وفي ليلة لم أنم فيها إلا قليلًا، جاء الصباح وأنا أفقد الإحساس بيدي ولا أستطيع تحريكها".

في مستشفى الشفاء شُخّصت حالتها مبدئيًا بـ"ارتخاء حاد في الأطراف"، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن ما تعانيه ناتج عن "صدمة عصبية حادة".

خلال 12 ساعة فقط، فقدت شيرين القدرة على الحركة في أطرافها الأربعة وجسدها بالكامل.

كانت الأوضاع في شمالي القطاع بالغة القسوة؛ لا دواء، لا غذاء، ولا أمان. ومع تصاعد القصف، اضطرت شيرين وأسرتها إلى النزوح نحو مدينة دير البلح وسط القطاع.

تقول: "حملوني على كرسي، ووضعوني في المقعد الأمامي لسيارة نقل أقلتنا مع أمتعتنا من غزة إلى دير البلح"، مضيفة: "وقتها شعرت بيأس شديد".

تتذكر لحظة طلب السائق منها إغلاق نافذة السيارة المجاورة لها، فأجابته بألم: "لا أستطيع!". تساءلت حينها: هل وصلت إلى درجة العجز عن تحريك يدي لإغلاق نافذة، أو حمل طفلتي وتلبية احتياجاتها البسيطة؟ حتى باتت الطفلة ذات العامين تطلب الماء من غيري.

في المدرسة التي نزحت إليها، تعرّفت شيرين على خدمات يقدمها برنامج التأهيل لجرحى الحرب في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وعنه أخبرتنا: "في البداية قلت لنفسي: ماذا يمكن أن يقدموا لي؟ كان اليأس يسيطر عليّ، لكن مع تشجيع من حولي وافقت على أن يزورني اختصاصيون من الجمعية للتدخل العلاجي".

تصف شعورها قبل الالتزام بالتمارين العلاجية قائلة: "كنت أرى الناس من حولي كأنهم أعصاب تمشي على الأرض، بينما أعصابي لا تحملني، لا أستطيع خدمة نفسي ولا طفلتي". ومع الوقت، وبالالتزام بالعلاج في مكان النزوح، تحسنت حالتها تدريجيًا، حتى أصبحت قادرة على الذهاب بنفسها إلى مقر جمعية الهلال الأحمر غربي مدينة دير البلح.

تشعر شيرين اليوم بامتنان عميق للاختصاصيات والاختصاصيين في برنامج التأهيل، الذين لم يكتفوا بالعلاج الطبيعي، بل قدموا لها دعمًا نفسيًا ساعدها على الصبر واستعادة الأمل بالتحسن.

قصة أخرى لا تقل وجعًا، بطلها الطفل عبد الكريم عوني بركة (15 عامًا)، الذي أصيب برصاص الاحتلال أثناء توجهه مع حشود الباحثين عن المساعدات.

تقول والدته لـ "نوى": "ابني فقد القدرة على الحركة أو الجلوس بمفرده، وخضع لعملية جراحية، قبل أن يصبح بحاجة إلى جلسات علاج طبيعي مكثفة".

نظرًا لعجز عبد الكريم عن الحركة وصعوبة التنقل، إضافة إلى أزمة المواصلات والسيولة، تولى اختصاصيون من جمعية الهلال الأحمر زيارته في مكانه.

وبفضل الجهد المتواصل، بات عبد الكريم اليوم قادرًا على المشي والحركة من جديد، بحسب والدته.

قبل هذا التدخل، انعكست إصابته على حالته النفسية؛ فضّل العزلة، ورفض لقاء أصدقائه، وكان يشعر بحزن بالغ كلما سمع حديثًا عن كرة القدم، لعبته المفضلة. أما اليوم، فتحسنت صحته الجسدية والنفسية معًا.

حياة التلباني (27 عامًا)، أخصائية علاج وظيفي بخبرة خمس سنوات، قالت لـ"نوى": "الحرب الأخيرة على غزة كانت الأشد قسوة في مسيرتها المهنية. تعاملت خلالها مع حالات معقدة لم تواجهها من قبل، أبرزها جرحى يعانون من قطع في الحبل الشوكي وفقدان كامل للحركة".

تشير التلباني إلى أن التعامل مع الجرحى الرجال غالبًا ما يكون أصعب، بينما تعاني النساء المصابات من اكتئاب حاد، ويحتجن إلى دعم نفسي مكثف قبل أي تدخل علاجي.

التحدي الأكبر، بحسب التلباني، هو نقص الأدوات المساعدة والاحتياجات الأساسية للعلاج، التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى قطاع غزة.

وتستغرق الجلسة الواحدة نحو 45 دقيقة، تكون مزيجًا من العلاج الجسدي والدعم النفسي، وتختلف من حالة إلى أخرى تبعًا لمدى تقبل المصاب لإصابته.

غير أن التحدي الأكبر، بحسب التلباني، هو نقص الأدوات المساعدة والاحتياجات الأساسية للعلاج، التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى قطاع غزة.

يوميًا، تتعامل مع نحو 14 حالة في زيارات ميدانية للمنازل والخيام، إذا كان المصاب غير قادر على الحركة، فيما يصل العدد إلى 20 حالة داخل مقر الجمعية.

"برنامج تأهيل جرحى حرب 2023م افتُتح بدعم كندي، ويقدم خدمات تدخل علاجي ودعم نفسي واجتماعي"

من جهته، يقول الأخصائي الاجتماعي إيهاب بشير لـ "نوى": "إن برنامج تأهيل جرحى حرب 2023م افتُتح بدعم كندي، ويقدم خدمات تدخل علاجي ودعم نفسي واجتماعي"، مؤكدًا أهمية وجود مثل هذه البرامج، لا سيما في ظل الارتفاع غير المسبوق في أعداد الجرحى وذوي الإعاقة خلال عامين من الحرب.

ووفق توثيق هيئات رسمية محلية، دمرت الحرب الإسرائيلية على القطاع وأخرجت عن الخدمة 38 مستشفى وعشرات مراكز الرعاية الأولية، كان كثير منها يقدم خدمات علاجية وتأهيلية لذوي الإعاقة. واقعٌ يزيد من تعقيد أوضاعهم الصحية، ويجعلهم يواجهون آلامهم في ظل عجز حاد في الإمكانات والمعدات والأدوية.

كاريكاتـــــير