غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أمام خيمتها المصنوعة من قماش مهترئ وبقايا بلاستيك، تنحني كريمة حسنين فوق موقد بدائي أُشعل بالحطب. يتصاعد الدخان كثيفًا، يلتف حول وجهها وصدرها، ويجعل التنفّس أكثر صعوبة مع كل شهيق. تسعل، تضع يدها على صدرها، ثم تعود لتحريك القدر بصمت، كأن الألم تفصيل عابر في يوم مزدحم بالقلق.
على مقربة منها، جرّة غاز ممتلئة بثمانية كيلوغرامات فقط، مغلقة بإحكام، ومغطاة بقطعة قماش.. أشبه ما يكون بوعد مؤجّل أو أمل هشّ تخشى تبديده.
يحاول أبناؤها إقناعها باستخدام الغاز، خصوصًا مع تزايد سعالها وصداعها، لكنها ترفض. شهر رمضان يقترب، ولا أحد يعرف إن كان الغاز سيُتاح مجددًا، أو إن كانت هذه الجرّة ستُملأ مرة أخرى.
بالنسبة لكريمة، فإن الاحتفاظ بالغاز اليوم يعني حماية موائد الغد. ترى أن احتمال الألم وهي مفطرة أهون عليها من تحمّله وهي صائمة. هكذا، تتحوّل صحة الجسد إلى قرار مؤجّل، في مقابل حسابات البقاء.

كريمة ليست حالة فردية. في بيوت غزة وخيامها، باتت جرّة الغاز محور نقاش يومي، وقرارًا تُبنى عليه حسابات دقيقة: متى تُستخدم؟ وكم مرة؟ ولأي وجبة؟ نساء كثيرات اخترن الطهي مرة واحدة في اليوم، بكميات تكفي لأكثر من وجبة.
يُعاد تسخين الطعام على الحطب، وتُترك الأكلات التي تحتاج حرارة ثابتة للغاز فقط. كل شعلة محسوبة، وكل دقيقة اشتعال مدروسة، في محاولة لإطالة عمر ما تبقّى من الوقود.
في منزل متصدّع نجا جزئيًا من القصف، يتكرّر النقاش ذاته. يقف محمد قرب الموقد، يقترح استخدام ما تبقى من الغاز لتخفيف عناء الطهي على زوجته وأطفاله، فتقاطعه شادية بهدوء حازم بالرفض.
تقول إن "الأمور غير مستقرة، والحصار قد يشتد في أي لحظة، كما حدث سابقًا". ما تبقى لديهم من غاز هو "كنز رمضان"، الشهر الذي لن يستطيع فيه هو ولا الأطفال الخروج للبحث عن الحطب كما يفعلون اليوم.
يرى محمد في قرارها مزيدًا من الدخان والتعب وربما المرض، لكنها تحاول إقناعه بأن الحرمان المؤقت أهون من انعدام كامل في شهر الصيام. بينهما، لا يدور خلاف عائلي بقدر ما تُدار معركة صغيرة مع الغد.

هذا التقنين القاسي لا يمرّ بلا كلفة. فالحطب، الذي عاد ليكون بديلًا قسريًا، يملأ الخيام والمنازل المدمرة بالدخان، ويترك أثره على صدور النساء وأطفالهن.
آلام في الصدر، وضيق تنفّس، وصداع دائم، أعراض تصبح جزءًا من اليوميات. ومع ذلك، تصرّ كثيرات على الاحتمال، لأن الخوف مما هو قادم أكبر من ألم اللحظة.
لا يمكن فصل هذه المعاناة اليومية عن الواقع الأوسع في قطاع غزة. فالحصار المستمر، والحرب التي دمّرت البنية التحتية خلال عامين من الإبادة، جعلا دخول الغاز والمحروقات محدودًا ومتقطعًا، بلا أي ضمانة للاستمرار. ما يصل من غاز لا يكفي سوى لفترات قصيرة، ويعرف الناس أن أي توقف جديد قد يعني العودة الكاملة إلى نار الحطب، بلا بديل.
في هذا السياق، تلعب النساء دورًا مركزيًا في إدارة الندرة. لا يكتفين بالطهي، بل يتحملن عبء التخطيط والتقنين واتخاذ قرارات قاسية تمسّ صحتهن وراحة أسرهن. يؤجلن حاجاتهن، ويختزنّ التعب في صدورهن، في محاولة لحماية بيوتهن أو ما تبقى منها من جوع أشد قسوة.
تصفُ نهى فرحات هذا الواقع بأنه صراع صامت، تعيشه النساء بين الدخان المتصاعد من مواقد الحطب، وجرّات الغاز المغلقة انتظارًا لرمضان.
تصف نهى فرحات هذا الواقع بأنه صراع صامت، تعيشه النساء بين الدخان المتصاعد من مواقد الحطب، وجرّات الغاز المغلقة انتظارًا لرمضان. وتقول: "إن البقاء لساعات بين الدخان وبوابير الكاز ليس خيارًا، بل معركة يومية تُخاض بالأجساد المتعبة".
هو صراعٌ لا تُسمع فيه أصوات عالية، بل يُكتب على الصدور المرهقة، وعلى أنفاسٍ تُحبَس خوفًا من نفاد آخر شعلة غاز. في هذه الحرب، لا تدير النساء نار الطهي فقط، بل يدرن الصمود نفسه، على أمل أن يكون الغد أقل قسوة.
























