غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ستون يومًا من الحرب، وستون ليلة بلا نوم حقيقي. هكذا عاشت الصحفية شروق شاهين أيامها الأولى تحت القصف، متنقلة بين الشارع وسيارات البث، تبحث عن خبرٍ تُنقذه من الضياع، وعن جسدٍ ينجو مؤقتًا من الانهيار.
لم يكن التيه شعورًا عابرًا، بل حالة دائمة فرضتها حرب الإبادة على الصحفيات، حيث لم يعد المكان ثابتًا، ولا الليل ملاذًا، ولا الصباح بداية جديدة.
إرهاقٌ متواصل، نزوح بلا نهاية، وانعدام شبه كامل لأي مساحة آمنة. نام صحفيون وصحفيات في الشوارع، داخل سيارات البث، أو في زوايا ضيقة بلا خصوصية، وبلا حدٍّ أدنى من الاستقرار، وكانت الصحفيات الأكثر هشاشة في هذه المعادلة القاسية. حتى فكرة نصب خيمة لم تكن حلًا، في ظل شحّ الإمكانات وغياب المقومات اللوجستية التي تسمح بالاستمرار في العمل الصحفي وسط القصف، حيث يصبح البحث عن الأمان جزءًا من المعركة اليومية.

تقول شروق: "إن مساحة نجاة انتزعتها فعلًا عندما انضمت إلى إحدى محطات مؤسسة (فلسطينيات)، التي جُهزت خصيصًا لإيواء الصحفيات، في وقت كانت فيه المكاتب الصحفية قد سُويت بالأرض، وانعدمت أماكن الإيواء الآمنة. لم يكن الأمر رفاهية، بل استجابة لحاجة وجودية، لإنقاذ ما تبقى من القدرة على العمل والبقاء".
تصف لحظتها الأولى هناك: "لم أر جدرانًا فحسب، بل فرصة حقيقية للبقاء". فراش بسيط، غطاء، اتصال بالإنترنت، ومكان يمكن إغلاق بابه أخيرًا. للمرة الأولى منذ بداية الحرب، نامت وهي مطمئنة نسبيًا، أعادت ترتيب يومها، وعملت دون خوف دائم من الطرد أو الرحيل القسري. تلك المساحة لم تُنقذ عملها الصحفي فقط، بل أنقذتها نفسيًا، من العزلة، ومن الإحساس القاسي بأنها تواجه الإبادة وحدها.
تضيف: "المكان، دون مبالغة، أعاد للصحفيات شيئًا من الطمأنينة، ووفّر لهن الكهرباء والإنترنت ومكانًا آمنًا للمبيت، ما مكّنهن من مواصلة نقل الحقيقة دون انقطاع، والحفاظ على إنسانيتهن قبل مهنيتهن، في وقت كانت فيه الإنسانية نفسها مستهدفة".

لكن ميلاد محطات "فلسطينيات" لم يكن سهلًا في زمن الإبادة الذي طحن كل مرافق العيش في قطاع غزة. تتحدث منى خضر، منسقة المؤسسة في غزة، عن البدايات الأولى، موضحة أن المؤسسة أنشأت خمس محطات خلال الحرب، بدأت بخيمة بسيطة داخل مجمع ناصر الطبي. فرشات قليلة، أغطية محدودة، وخط إنترنت متواضع، استفادت منها نحو ثماني صحفيات، قبل أن تُهدم مع التوغل الإسرائيلي واجتياح المستشفى.
تلتها محطة ثانية بجوار المستشفى الكويتي في رفح، صُنعت من النايلون والمواد البلاستيكية التي اعتُقد حينها أنها عازلة للمطر. جُهزت بمكتب صغير، وعدد من الفرشات، وخط كهرباء من المستشفى، إضافة إلى الإنترنت، لتكون مساحة عمل ومبيت في آن واحد. "لكنها لم تصمد طويلًا، إذ دُمرت مع توغل جيش الاحتلال في المدينة، لتؤكد أن حتى محاولات النجاة لم تكن بمنأى عن الاستهداف أيضًا" تستدرك خضر.
"المؤسسة أنشأت خمس محطات خلال الحرب، بدأت بخيمة بسيطة داخل مجمع ناصر الطبي. استفادت منها نحو ثماني صحفيات، قبل أن تُهدم مع التوغل الإسرائيلي واجتياح المستشفى".
ومع الانسحاب من خانيونس، أُعيد إنشاء محطة عبر "حاصل" صغير أمام مجمع ناصر الطبي، ثم انتقلت التجربة إلى شقة سكنية في خانيونس، ولاحقًا إلى شقة أخرى في دير البلح، أصبحت اليوم المحطة المركزية. تضم هذه المحطة مساحة عمل مشتركة: غرف نوم، صالونًا واسعًا، مكاتب، ومصدر طاقة شمسية، ويستفيد منها حاليًا ما لا يقل عن 15 صحفية، في محاولة دائمة لصناعة استقرار نسبي وسط الفوضى.
توضح خضر أن العمل على هذه المحطات بدأ بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب، مع تصاعد حاجة الصحفيات إلى أماكن تضمن الخصوصية والأمان ولو بالحد الأدنى. وتكمل: "كان هدفنا الأساسي توفير أي نوع من الأمان تحتاجه الصحفيات، سواء للعمل أو المبيت أو حتى لالتقاط الأنفاس"، في زمنٍ أصبح فيه التقاط الأنفاس إنجازًا.
وترتبط محطة خانيونس باسم الصحفية الشهيدة مريم أبو دقة، التي تولت إدارتها خلال واحدة من أصعب مراحل الإبادة. لم تكن مجرد مديرة، بل زميلة وسندًا، حاضرة في التفاصيل اليومية، تتابع الاحتياجات، وتحاول خلق نظام داخل الفوضى، رغم التصعيد والمخاطر المحيطة.
في ظل صعوبة توفير الخيام والملاجئ، بادرت المؤسسة أيضًا إلى إنشاء "كرفان الصحفيات" في دير البلح، ليكون ثاني كرفان من نوعه في غزة، بتكلفة باهظة وجهد لوجستي هائل.
في 25 أغسطس/آب 2025م، استُشهدت مريم أبو دقة إثر قصف إسرائيلي استهدف مبنى الطوارئ في مجمع ناصر الطبي، مع زملائها حسام المصري، ومحمد سلامة، ومعاذ أبو طه. شكّل استشهادها صدمة موجعة للوسط الصحفي، إذ لم يكن فقدًا شخصيًا فحسب، بل خسارة لمساحة إنسانية حاولت الصمود وسط الدمار.
تكريمًا لروحها، أطلقت مؤسسة فلسطينيات اسمها على محطة خانيونس، ليبقى حضورها شاهدًا على التزامها، ويتحوّل المكان من محطة عمل إلى ذاكرة حية، ترفض النسيان.
وفي ظل صعوبة توفير الخيام والملاجئ، بادرت المؤسسة أيضًا إلى إنشاء "كرفان الصحفيات" في دير البلح، ليكون ثاني كرفان من نوعه في غزة، بتكلفة باهظة وجهد لوجستي هائل. استُخدم الكرفان كمحطة عمل ومبيت، ويستفيد منه حاليًا ما لا يقل عن عشر صحفيات. يضم أسرّة، ومطبخًا، وحمامًا، ويوفّر مساحةً أكثر استقرارًا، تتيح النوم والعمل والاستراحة بقدر من الخصوصية، في واقع يفتقر لأبسط أشكال الأمان.
بالنسبة للصحفيات، لم تكن هذه المحطات مجرد أماكن. دعاء الباز تصف التجربة بقولها: "فلسطينيات احتضنتنا كأم"، موضحةً أن الشقة والمبيت والإنترنت أعادت لهن شعورًا مفقودًا بالاستمرار.

أما ولاء أبو جامع، فترى أن المحطة كانت المكان الذي تنفّسن فيه قليلًا، وحافظن على خصوصيتهن، وعرفن أن هناك فراشًا ينتظرهن بعد يوم طويل من العمل والخطر.
براء لافي بدورها، اختضرت المعنى بقولها: "خيمة فلسطينيات كانت ملجأ"، عالمًا كاملًا في وقت تخلّى فيه العالم عن غزة. لم تكن مكان عمل فقط، بل عائلة وذاكرة مشتركة وملاذًا آمنًا.
وترى هلا عصفور أن فلسطينيات كانت مساحة عاشت فيها الصحفيات عامين من الخوف والصبر، شاهدًا على محاولات البقاء بشرًا لا أرقامًا. بينما تؤكد يافا أبو عكر أن المؤسسة ثبّتت الرواية، وفتحت المجال للنساء لرواية الحقيقة بأسمائهن وتجاربهن.
وتختم منى خضر بالإشارة إلى التحديات الهائلة، من أزمات الكهرباء وارتفاع أسعار الطاقة الشمسية والإنترنت، إلى شح المستلزمات وغلاء الأسعار، مع إصرار المؤسسة على حفظ الكرامة قبل أي شيء. بينما تشير الصحفية -وهي من طاقم شبكة نوى التابعة لمؤسسة فلسطينيات- شيرين خليفة، إلى إن هذه المحطات لم تكن استجابة طارئة، بل فعل بقاء، مكّن الصحفيات من الاستمرار في توثيق الإبادة، ونقل الحقيقة من قلب الميدان، رغم كل ما فُرض عليهن من فقد ونزوح وخطر.
























