غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
حملت (ن.هـ) من الحرب ما هو أثقل من الألم الجسدي. تجلس اليوم متأملة الفراغ حيث كانت يداها، كأنها تحاول استعادة زمن كانت فيه الحياة أبسط، وكانت تفاصيل يومها العادية ممكنة بلا طلب مساعدة أو خوف من العجز.
ستة أشهر مرّت على بتر يديها، ستة أشهر تعلّمت خلالها كيف تعيش واقعًا فُرض عليها قسرًا، وكيف تطلب العون لأبسط الأمور التي لم تتخيّل يومًا أنها ستفقد القدرة عليها، لتكتشف أن الخسارة لا تأتي دفعة واحدة.
في أيامها الأولى بعد الإصابة، كان زوجها سندها الوحيد. رافقها إلى مواعيد العلاج، وشاركها خوفها، وبدا لها أن وجوده جزء لا يتجزأ من معركتها اليومية مع الألم والتأقلم. كانت تتكئ عليه وهي تتعلّم من جديد كيف تقف بثبات أقل، وكيف تتنفس دون أن ينهار صدرها ثقلًا، حتى بدا لها أن هذا السند ثابت لا يهتز.
قرر زوجها الانفصال عنها، معللًا أنه لم يعد قادرًا على تحمّل "عبء" حياتها الجديدة. في لحظة واحدة، خسرت ذراعيها والرجل الذي ظنّت أنه سيقاسمها الطريق.
لكن ما لم يخطر في بالها أن هذا الأمان سينسحب فجأة. قرر زوجها الانفصال عنها، معللًا أنه لم يعد قادرًا على تحمّل "عبء" حياتها الجديدة. في لحظة واحدة، خسرت ذراعيها والرجل الذي ظنّت أنه سيقاسمها الطريق الأصعب، وخسرت أيضًا ابنتها الصغيرة التي ما تزال تقترب منها باحثة عن حضن أم، حضن لم تعد قادرة على تقديمه.
أكثر ما يوجع قلب (ن.هـ) شعورها بالعجز أمام طفلتها؛ لا تستطيع الاعتناء بها كما كانت، ولا تستطيع ضمّها كما تفعل كل الأمهات. تقول لـ"نوى" بصوت مكسور: "أكثر ما أتمناه هو أن أحتضن ابنتي.. هذا كل شيء". أمنية تبدو بسيطة، لكنها باتت بعيدة المنال، كأنها حلم مؤجل بلا موعد.
تركها قرار الانفصال غارقة في صمت الوحدة، محاطة بأسئلة موجعة عن معنى الشراكة، وعن قسوة التخلي في اللحظة التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يمسك بيده أكثر من أي وقت مضى.
كانت تظن أن الحرب أخذت كل شيء، لكنها لم تتوقع أن تمتد الخسارة إلى من أحبّتهم، لتجد نفسها اليوم تحاول بناء قوتها من جديد، وصناعة بداية من ضعفها، والبحث عن يدين بديلتين من إرادة وصبر، تساندانها على متابعة الطريق رغم قسوته.
تركها زوجها عند أهلها، مخلّفًا أمًا لثلاثة أطفال في أشد مراحل حياتها حاجة للدعم. تهديداته المتكررة بالانفصال كانت تستنزف ثقتها بنفسها، قبل أن يفاجئها بزواجه الثاني.
ولا تبدو قصة (ن.هـ) استثناءً. فبحسب بيانات جهاز الإحصاء المركزي، لا تتجاوز نسبة المتزوجات بين النساء ذوات الإعاقة 37%، في مؤشر يعكس فجوة اجتماعية عميقة، ويكشف حجم التمييز الذي يبرر في كثير من الحالات هجر الأزواج لزوجاتهم بعد الإصابة، أو الزواج بأخريات بذريعة العجز عن رعاية الأسرة.
نهلة سالم، اسم مستعار، تحمل في جسدها وذاكرتها جراحًا لا تراها العين وحدها. منذ عام ونصف تغيّر كل شيء في حياتها بعد إصابتها خلال الحرب، إصابة انتهت ببتر يدها وقدميها، ووضعتها أمام واقع قاسٍ يتطلب شجاعة مضاعفة. وبينما كانت تحاول التكيّف مع أطرافها الغائبة، تلقت خسارة أخرى لم تكن تتوقعها.
تركها زوجها عند أهلها، مخلّفًا أمًا لثلاثة أطفال في أشد مراحل حياتها حاجة للدعم. تهديداته المتكررة بالانفصال كانت تستنزف ثقتها بنفسها، قبل أن يفاجئها بزواجه من امرأة أخرى، رغم أنه ما يزال زوجها قانونيًا.
لم يكن الانفصال عاطفيًا فقط، بل قرارًا سلبها حقها في أبنائها، إذ حُرمت من رؤيتهم إلا نادرًا، وهو ما تصفه بأنه الضربة الأقسى بعد الإصابة.
لم يكن الانفصال عاطفيًا فقط، بل قرارًا سلبها حقها في أبنائها، إذ حُرمت من رؤيتهم إلا نادرًا، وهو ما تصفه بأنه الضربة الأقسى بعد الإصابة.
تقول نهلة إن أكثر ما آلمها لم يكن فقدان أطرافها، بل انهيار الوعد الذي عاش معها سنوات، الوعد بالبقاء "حتى النهاية". ومع تداخل الخسارات، غرقت في اكتئاب عميق، لكنها تحاول اليوم الوقوف من جديد، مستندة إلى دعم عائلتها ورغبتها في ألا تنكسر.
حلمها بسيط ومصيري: السفر لتركيب أطراف صناعية تعيد لها جزءًا من استقلاليتها، وتمنحها فرصة لبدء حياة جديدة. (ن.هـ) ونهلة ليستا وحدهما؛ هما صوتان من عشرات النساء اللواتي خضن تجارب مشابهة، يروين قصصهن لا كحكايات ألم فقط، بل كمطالبة بحياة كريمة، وفرصة عادلة، وأمل لا يسقط مهما اشتدّ الظلام.
























