غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على سرير أبيض بين جدران إحدى غرف مستشفى شهداء الأقصى الباردة، وسط قطاع غزة، ترقد الجدة الستينية جواهر القيسي بصمتٍ مثقل بالألم، تغطيها بطانية خفيفة لا تقي وجع البتر.
عينها الوحيدة تسبح في الفراغ، بينما تغيب الأخرى تحت ضمادٍ أبيض لا يُخفي فداحة الفقد. وساقها اليمنى، لم تعد هناك، قطعتها شظية إثر مجزرة إسرائيلية طالت جسدها وعائلتها معًا، وحرمتها روح روحها "حفيدها البكر".

لا تتوقف "جواهر" عن طرح الأسئلة؛ ليس عن أوجاعها وحسب، بل عن حفيدها الذي كان ينام في حضنها كل ليلة، يطلب سماع الحكاية. عن ذلك الطفل الذي كان "مهجة قلبها" و"سلواه" في ليالي الوحشة، قبل أن يخطفه صاروخ لم يسمح للقصة أن تكتمل.
بدأت الحكاية في التاسع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، ارتكب الاحتلال مجزرة بشعة بحق عائلة القيسي النازحة في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، بعد أن فرّت من الموت الذي كان محدقًا بها في رفح جنوبًا، دون أن يعلم أفرادها أن "الموت" نفسه لحق بهم.
"أشقائي وأبنائي وزوجاتهم، جميعهم كانوا يصرخون من الهلع، المنطقة كلها تحولت إلى ظلام وسط النهار من شدة حمم القذائف التي كانت تنهال حولنا".
"كان يومًا صعبًا.. أشبه بالجحيم"، تصف الجدة المشهد، وتقول: "انهالت علينا القذائف من كل اتجاه، كنت أهرب بأحفادي الأربعة من غرفة لغرفة، حتى شعرت بخوف كبير عليهم، وصرت أبكي وأصرخ لنخرج من المنزل ونهرب، حتى لو إلى الشارع".
وتكمل: "كانت مراكز الإيواء مكدّسة بالنازحين. بسرعة البرق لا أعرف كيف تحركت، أمسكت أحفادي وخرجت بهم إلى الشارع. كان خلفنا أشقائي وأبنائي وزوجاتهم، جميعهم يصرخون من الهلع والخوف والتوتر، المنطقة كلها تحولت إلى ظلام وسط النهار من شدة حمم القذائف التي كانت تنهال حولنا".
أصيبت جواهر، ليس في جسدها وحسب، بل في عمرها كله. المجزرة أخذت تسعة من أفراد عائلتها، بينهم حفيدها الصغير "يامن".
كانت جواهر تقبض على أيادي أحفادها بشدة، تقف في الشارع وتنادي البقية، تنشد الأمان في دعائها الذي لم يتوقف لحظة، إلى أن سكت كل شيءٍ فجأة! قذيفةٌ إسرائيلية ألقيت باتجاههم، غيرت وجه الحياة بالكامل.
أصيبت جواهر، ليس في جسدها وحسب، بل في عمرها كله. المجزرة أخذت تسعة من أفراد عائلتها، بينهم حفيدها الصغير "يامن"، وأخذت معها ضحكاته وقصص ما قبل النوم، ولحظات انتظار خبز الطابون الذي كانت تحضره لهم يوميًا وسط المجاعة.
"كنت أعمل بالمنزل دون كلل أو ملل، أهتم بأحفادي وأساعد زوجات أبنائي في إعداد الطعام، وأشعل نيران الحطب لأطهو للجميع.. الآن أنا مقعدة، وفاقدة للبصر أيضًا".
تخبرنا: "أن تفقد جزءًا من جسدك ليس بالأمر الهين، عندما أسمع حركة مشي أقدام، أشعر بحسرة كبيرة على نفسي، كنت لا أعرف الجلوس على الأرض، أعمل بالمنزل دون كلل أو ملل، أهتم بأحفادي وأساعد زوجات أبنائي في إعداد الطعام، وأشعل نيران الحطب لأطهو للجميع.. الآن أنا مقعدة، وفاقدة للبصر أيضًا.. هذه مأساة كبيرة".
كانت الجدة جواهر تلقب بـ"صاحبة الذاكرة الذهبية"؛ لأنها تحفظ كل شيء من حكايات الأجداد أيام النكبة، إلى أغاني العودة، "لكن الاحتلال لم يترك لها شيئًا تحفظه اليوم في ذاكرة آخر العمر سوى الألم" على حد تعبيرها.
"كنت أروي لأحفادي قصة الغول، لكنني لم أكن أعلم أنهم سيرونه حقًا.. سيهاجمهم ويقضي على كل حلو في حياتهم مرةً واحدة".
وتكمل: "كنت أعيش في منزلي برفح بأمان، وسط أحفادي وأبنائي وزوجاتهم، لكن الحرب سرقت منا كل شيء، عائلتي، وحفيدي الذي كان بمثابة روح الروح.. أخذت ابني الأسير في السجون الإسرائيلية، وأخذت بيتي الذي عمرناه بتعب سنين"، متسائلة: "ماذا يريد الاحتلال أن يجرب علينا أكثر؟ قتلنا وجوعنا ودمر بيوتنا وأعاد لنا أمراضًا انقرضت في العالم كله.. تركنا أشلاءً ممزقة موتى وأحياء على حد سواء".
تختتم حديثها بنبرةٍ حزينة: "كنت أروي لأحفادي قصة الغول، لكنني لم أكن أعلم أنهم سيرونه حقًا.. سيهاجمهم ويقضي على كل حلو في حياتهم مرةً واحدة.. سيتركني وحيدة ويأخذ منها روح قلبي يامن".
























