شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 21 مايو 2026م15:53 بتوقيت القدس

تدمير المخيمات وشيطنة "أونروا" خطة إسرائيلية مدروسة..

طمس "شواهد النكبّة".. هل يطال التدمير "روح المخيم"؟

17 مارس 2025 - 06:59

غزة- الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن حملة الاستهدافات الإسرائيلية التي تركزّت على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية على حدٍ سواء، خلال الأشهر الماضية، اعتباطيةً -وفق مراقبين- "بل هي مخطط مدروس للقضاء على أكبر الشواهد الحقيقية لنكبة عام 1948م".

واستكمالًا لطمس ذلك التاريخ، عِملت "إسرائيل" منذ سنوات على شيطنة شاهدٍ آخر، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، حيث صاعدت الهجوم عليها، مع إعلان حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول، من العام 2023م بذرائع واهية، في محاولةٍ لإنهائها وتجفيف مواردها المالية، وصولًا للإجهاز على مفهوم حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم.

ولتنفيذ مخططها اتبعّت "إسرائيل" أساليب ضغطٍ متعددة، أبرزها التدمير، والتهجير القسري، والحصار، ثم قتل وملاحقة كل من يحاول الصمود في وجه عدوانها داخل مخيمات غزة والضفة على حدٍ سواء.

وبالرغم من ذلك، لا يزال الفلسطينيون يتمسكّون بالمخيم الذي يُعدُّ رائحة الأجداد، ورمزًا تاريخيًا يُثبت حقهم في العودة، كما عبّر عدد ممن التقتهم "نوى" في مخيمات جنين ونور شمس بالضفة الغربية، وجباليا والشاطئ في قطاع غزة.

"باقون ما بقي المخيم"

في مخيم جنين، اختارت عائلة المواطنة ياسمين عموري البقاء في منزلها على مدار 50 يومًا من العدوان؛ بالرغم من جنون القصف، والدمار الكبير حولهم، وانعدام الخدمات، والنقص الحاد في المستلزمات الغذائية والطبية؛ قبل أن يُجبَروا على المغادرة تحت تهديد السلاح.

خمسون يومًا وعين ياسمين ترقب بحسرةٍ وقهر، ما يفعله جيش الاحتلال وآلياته بالمخيم، الذي عاشت فيه 25 عامًا بكل ما فيها من تفاصيل ومشاعر متناقضة، ملخّصة المشهد بقولها: "كأنه غزة الصُغرى".

عمليات النسف والحرق والتدمير هناك -وفقًا لها- لم تتوقف لحظة، وطالت منازل المواطنين والمنشآت والشوارع والبنية التحتية، حتى بات الدمار صادمًا ولم يسبق له مثيل من قبل، باستثناء ما خلّفه اجتياح العام 2002م.

عدا عن انتشار الجنود والآليات، وتحليق الطائرات بأنواعها في سماء المخيم، وانتشار القناصة على أسطح المباني، ونقص الإمدادات الغذائية والطبية والمياه، وحرمان الأطفال من التعليم. تقول: "أجواء حرب حقيقية، لا تستطيع الجلوس بارتياح في منزلك، ولا إذا غادرته سترتاح".

ومن المشاهد التي لا تنساها ياسمين، رؤية تفجير 20 منزلًا في المخيم دفعةً واحد، إذ شبّهته بـ "أهوال يوم القيامة" من شدّته، مضيفةً: "كذلك لا أنسى كيف كانوا يشبحون النساء ويُنكلّون بالشباب قبل اعتقالهم أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم وتفقدها".

وعن ليلة المغادرة القسرية: "كنا على سفرة الإفطار ولم يمضِ على أذان المغرب سوى دقائق معدودة. اقتحموا البناية التي نسكن فيها وأمرونا بالنزول إلى الشارع، حاولت أن أشرح لهم حالة طفلي المريض (3 سنوات) وأنني لا أستطيع الخروج به أينما كان، لكنهم لم يستجيبوا لنا وأمهلونا ساعة ونصف لإخلاء المنزل".

خلال فترة الانتظار، روّعوا الأطفال بسحب الأسلحة عليهم، سبّوا النساء، وتعاملوا معهم بهمجية قبل أن يخضعوهم للتفتيش ويعتقلوا شقيقها، ويقتلوا ابنة عمها الطفلة، ثم يجبروهم على مغادرة المخيم التي كانت أشبه بـ "طلوع الروح" لياسمين، فهذه تجربتها الأولى بالنزوح.

"حُب المخيم فطِرة"

تعود أصول ياسمين إلى قرية زرعين قضاء جنين، لكنها عاشت وتربت وتعلّمت وبنَت صداقات وكوّنت عائلة في مخيم جنين، فهل يُمكن التخلي عنه بسهولة؟ (سألناها)، فكان ردّها مندفعًا: "حب المخيم بالفطرة، مش بيوم وليلة، هذا عمر وذكريات".

وتستحضر ردود أفعال مواطنين حين رأوا منازلهم مدمرة: "قالوا مش مشكلة ننصب الخيِام فوق الركام ونقعد، المهم نرجعله".

وتتساءل بتهِكم: "الواحد منّا لأنه طالع من بيته كم يوم غير متقبل الفكرة، كيف يريدون تهجيرها من بلدنا ومسقط رؤوسنا؟".

"سنظل ننظر للمخيم كمحطة مؤقتة نعيش فيها إلى حين العودة لقرانا ومدننا في الأراضي المحتلة عام 1948م".

بينما أجبرت عبير غزاوي -أم لشهيدين ارتقيا برصاص الاحتلال قبل أكثر من عام- على النزوح من منزلها في المخيم منذ بداية العدوان، لكن اختارت أن تجاوره كي تكون أول العائدين إليه حين تنتهي العملية.

وتعيش غزاوي في المخيم منذ 30 عامًا، تقول: إنّ "الاحتلال منذ 3 سنوات يُصعّد من عدوانه على جنين تدريجيًا، حتى بلغ الأمر ذروته هذا العام بطريقة لم تكن في الحسبان (..) طردونا بقوة السلاح، ثم عاثوا فسادًا وتخريبًا بالمخيم".

وتشير إلى أنّ محاولات العودة إلى منازلهم تبوء بالفشل، حيث يطردهم الاحتلال في كل مرة قائلًا لهم " ما ضل إلكم مخيم".

وتؤكد أنّ ما يخططون له "لن يحصل"، وكما تقول: "هم يريدون تهجير كل الفلسطينيين وليس سكان المخيمات فحسب؛ لإقامة وطن لهم، لكننا أصحاب حق وسنبقى صامدين على هذه الأرض نُدافع عنها لآخر نفس".

والمخيم بالنسبة لعبير غزاوي، هو رمز قضية يسعى الاحتلال لشطبها، و"سنظل ننظر إليه كمحطة مؤقتة نعيش فيها إلى حين العودة لقرانا ومدننا في الـ 48"، متعهدةً بالعودة إلى منزلها متى انسحب الاحتلال من المخيم، ولو كان ركامًا ستنصب عليه خيمة ولن تغادره.

بينما يؤكد أمجد جبالي (36 عامًا) من سكان مخيم نور شمس شرقي طولكرم، تعرض المخيم لسلسلة من الاقتحامات في الآونة الأخير، ألحقت أضرارًا في البنية التحتية والطرقات، بشكلٍ جعل عملية إصلاحها تفوق قدرة البلدية والهيئات المحلية، لكنّه حين يُقارنها مجتمعة بما يحدث حاليًا على الأرض من تدمير وإعدام للمكان ومعالمه، "فهي صفر على الشمال".

يرى جبالي في العدوان الحالي، مخططًا ممنهجًا للتهجير، ولا يُمكنه تفسير الوقائع على الأرض بغير ذلك، موضحًا: "الوضع كارثي وصعب. تخريب وتدمير طال كل شيء في المخيم، بالإضافة لفرض حصار مشدد على دخول المساعدات لإرغام الناس على المغادرة".

كما يتم استهداف المتطوعين الذين يحاولون إيصال المساعدات للمحاصرين بالمخيم، رغم حصولهم على تنسيق مسبق من الجيش.

"شو يعني هدموا المنازل؟ خلصت الحياة؟ لا، سنعيد البناء من جديد، فالمخيم فكرة لا تموت".

فضلًا عن ذلك، يعمل الاحتلال حاليًا على قطع شريان الحياة ليس على المخيم فحسب، بل على المنازل في محيطه، بإصدار أوامر إخلاء لأصحابها دون إعطائهم الوقت الكافي لإخراج مقتنياتهم، وفق أمجد.

واضطرت عائلة جبالي للنزوح من منزلها بعد أيامٍ قليلة من بدء العدوان، نظرًا لاشتداد الأوضاع الميدانية في الحارة التي يقطنون بها، أتبعها إصدار قرار بالهدم، يقول: "عدت لأتفقد بقاياه بعد الهدم، فأكلني العجز(..) شيء يقهر القلب حقًا".

تحويل البيوت لركام لا يعني الوصول لنقطة النهاية في العلاقة بين المخيم وأهله، بل إنها تتحول في نفوسهم لثأر طويل وإصرار على البقاء، فهذا أمجد يتساءل: "شو يعني هدموا المنازل؟ خلصت الحياة؟ لا، سنعيد البناء من جديد، فالمخيم فكرة لا تموت".

"المخيم خرّج المحامي والطبيب والمعلّم والشرطي، كما الشهيد والأسير، ومهما جرى لا ينساه أهله، سيعودون للإعمار والحياة".

ويتابع: "المخيم خرّج المحامي والطبيب والمعلّم والشرطي، كما الشهيد والأسير، ومهما جرى لا ينساه أهله، سيعودون للإعمار والحياة".

وهذا ما عبّرت عنه سيّدة من نور شمس في طريق عودتها إلى منزلها، حيث قالت في مقطع مرئي: "والله لنرجع غصبًا عنهم، وكل هذا نعمرّه (في إشارة للخراب حولها) وراح أجيب أغراضي خاوة".

ووفق معطيات "أونروا"، فإنها تقدم خدماتها في 19 مخيمًا بالضفة لنحو 913 ألف لاجئ مسجل، بينهم نحو 48 ألف طالب وطالبة، فضلًا عن تقديم خدمات صحية من خلال 43 مركزًا صحيًا.

وتشير تقديرات إعلامية منشورة حديثًا، إلى أنّ العدوان تسبب بنزوح 90% من سكان مخيم جنين، فيما هُجّر 12 ألفًا من سكان نور شمس من منازلهم.

"الشاطئ"

في مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، حيث البيوت المتلاصقة والشوارع الضيّقة، والآلاف من السكان بقليل من الخدمات والمرافق، تبدو فكرة التمسك بالمخيم، الخيار الأكثر ترديدًا على ألسنة أهله، إلى حين عودتهم إلى مدنهم وقراهم الأصلية.

في تقريرنا هذا، قابلنا ثلاث سيدات، أصولهن من "المجدل، وحمامة، وبربرة"، وقد تعرضت منازلهن في الحرب إما للتدمير نتيجة القصف المباشر، أو لحرق وأضرار، فكيف كانت ردود أفعالهن على خطط التهجير؟

رويدا زقوت (73 عامًا) عرّفت نفسها بأنها "بنت الشاطئ من يوم ما خُلقت على هذه الدنيا"، وأنّ المخيم بالنسبة لها حياة، وأنها حين أُرغمت تحت تهديد القصف المسعور، على النزوح منه نحو الجنوب، شعرت أنّ ثمة غصّة عالقة في حلقها! كانت دائمة البكاء على أتفه الأسباب، ولا تنتظر شيئًا كما تنتظر يوم العودة.

تعيش الآن بظروف معيشية صعبة وبلا خدمات أساسية كالصرف الصحي والمياه والكهرباء، لكنّها ومع ذلك تؤكد أنه "لو عاد الزمن وطالبوها بمغادرة منزلها فلن تغادره (..) يقصفوا البيت علينا، من المخيم لن نخرج إلا إلى المجدل أو إلى القبر".

تؤكد رفقة نصار أنها بالرغم من فقدانها لبيتها وعدد من أحفادها، إلا أنها لن تتنازل عن حقها بالعودة "بل إن ما اقترفه الاحتلال من جرائم زاد فيَّ شعور الثأر والتمسك بالأرض أكثر".

رفقة نصار (80 عامًا) تشاطرها شعور الندم أنها نزحت إلى جنوبي قطاع غزة في الأسابيع الأولى للإبادة، مؤكدةً أنّه وبالرغم من فقدانها لبيتها وعدد من أحفادها، إلا أنها لن تتنازل عن حقها بالعودة "بل إن ما اقترفه الاحتلال من جرائم زاد فيَّ شعور الثأر والتمسك بالأرض أكثر".

وأضافت: "حين أخبرني أحد أبنائي أنه يفكر بالسفر إلى دولة مجاورة؛ للبدء بحياة جديدة، نهرته وقلت له: لو كل إنسان فينا بدو يفكّر مثلك، من الذي سيُعمّر البلاد ويُحييها من جديد؟".

"لو يربطوني بحبل ما بطلع منه" بهذه الكلمات البسيطة وبشعور انتماء عميق، عبّرت الحاجة مريم شحادة (83 عامًا) عن تمسكها بالمخيم، الذي كوّنت فيه أسرتها وأنجبت 4 من الأبناء (3 أولاد وبنت)، كبروا أمام عينيها، وفرحت بنجاحاتهم، ثم ودعتهم جميعًا في حرب الإبادة شهداء، وبقيت هي وحدها تكابد ألم الفراق.

"لم تكفِهم هجرتنا الأولى؟" تتساءل هذه المسنّة، ثم تستدرك: "لن نُكرر الخطأ مرتين، فلسطين لنا، ونحنا راح نضل صامدين في مخيماتنا وصابرين، ولا مخطط تهجير راح ينفع معنا لأننا أصحاب حق".

في "مخيم الثورة الذي لا يُشبهه مكان"..

السيدة آمنة الملفوح على مشارف الـ 70 من عمرها، عاشت حياتها في مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، الذي "لا يشبهه أحد" وفق وصفها، رفضت خلال شهور الحرب النزوح إلى نحو الجنوب، وقررت البقاء في منزلها أو في محيطه. "المهم ألا نذهب لمصير مجهول".

وقد لجأت عائلتها من قرية "نعليا" قضاء غزة إبان نكبة 1948م، إلى حيّ الزيتون شرقي غزة، ثم إلى مخيم جباليا، في حين تربّى أفراد العائلة على "أمل صغير بالعودة لم يخبو" حمله والدهم في قلبه حتى الممات.

تحوّل حُزن الأب وقهره إلى نفَسٍ ثوري لدى "آمنة" وهي في عمر الصِبا، إذ "شاركت في العديد من المظاهرات التي كانت تخرج بالمخيم قبل الانتفاضة الأولى؛ لتقف بالحجارة في وجه اعتداءات الاحتلال على أهالي جباليا وبيوتهم".

"المخيم عرفني على معاناة اللاجئين وأوجاعهم الممتدة (..) أكره الظلم، وهذا لوحده كفيل أن يمدّني بالقوة لأقول لا في وجه الظالم حتى يومنا هذا".

تقول: "المخيم عرفني على معاناة اللاجئين وأوجاعهم الممتدة (..) أكره الظلم، وهذا لوحده كفيل أن يمدّني بالقوة لأقول لا في وجه الظالم حتى يومنا هذا".

وما إنّ تزوجت وانتقلت "آمنة" إلى أطراف المخيم، اختارت العيش في كنف حياة فلسطينية ريفية مع زوجها وأولادها العشرة، وحوّلت أرضًا بجانب منزلها إلى حديقة زراعية تُحقق لها اكتفاءً ذاتيًا من الخضروات وبعض الفواكه.

كانت آمنة تظن أن أرضها ستبقى مزهرة وتُذكّرها بـ "حياة البلاد"، التي طالما قصّ عليهم والدهم حكاياتها الهنيّة، لكنها لم تسلم من الحرب كغيرها من معالم الحياة في القطاع، إذ حُرقت بعض الأشجار، وقُطّع بعضها الآخر، في آخر عدوانٍ تعرضت له محافظة الشمال في أكتوبر/ تشرين الأول 2024م.

"متنا من الجوع، قصفوا بيوتنا، ولم نأمن لليلة واحدة، لكنّ كان الخيار المستحيل بالنسبة لنا الرحيل، أو حتى دعم فكرته، أو تشجيع الآخرين عليه".

أما منزلها المكوّن من 4 طوابق، فقد تعرض للقصف من المدافع، وصنّفته الجهات المتخصصة بأنه "غير صالح للسكن"، لكنها اختارت العودة إليه، والعيش بين ركامه رغم الصعوبات التي تواجهها لتأمين احتياجاتها.

وتضيف: "كنّا نهرب من شارع لشارع ومن دار لدار، كانوا يهددون الناس ويأمرونهم بالتوجه للجنوب، لكن الغالبية لم تنصع، كانوا يبحثون عن فتحات صغيرة تُمكنّهم من الفرار نحو مناطق غربي غزة.. تمامًا كما فعلت أنا".

وتردف: "متنا من الجوع، قصفوا بيوتنا، ولم نأمن لليلة واحدة، لكنّ كان الخيار المستحيل بالنسبة لنا الرحيل، أو حتى دعم فكرته، أو تشجيع الآخرين عليه".

وعلى الرغم من أنّ مباني المخيم سُويّت بالأرض، ودمّرت مرافقه بالكامل، وصار وفقًا لتقييم الدفاع المدني "منطقة غير صالحة للعيش"، إلا أن "آمنة" تُفضّل البقاء فيه، وتتعهد بإعادة إحياء أرضها من جديد "فلا حياة بعيدًا عن المخيم حتى العودة إلى مدننا وقرانا التي هجرنا منها عام 1948م".

وليس بعيدًا عن سكن "آمنة"، يعيش الحاج محمد شامية (72 عامًا) ظروفًا مأساوية على أنقاض منزله الذي تعرض لأضرار بليغة جراء الحرب، بعد شهورٍ طويلة متتالية قضاها في حياة نزوحٍ مريرة وتجويع، وقصف لا يكاد يتوقف.

أفقدت آلة التدمير الإسرائيلية، أبو أيمن (كما يُكنّى) منزلين ومشتلين زراعيين في جباليا، كان يستخدمهما في توريد الشتلات بمختلف أنواعها للمزارعين في عموم قطاع غزة.

وكغيره من أبناء المخيّم الذين لا يتخيلون الحياة بعيدة عن أزقته، عاد إلى منزله ومشتله، فور الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة؛ ليجدهما أثرًا بعد عين.

في كل مرة يعود فيها "أبو أيمن" إلى مخيم جباليا، كان يبدأ من الصفر ويُعمّر ما دمره الاحتلال ليستعيد عافية مشتليه، بزراعة بذور النباتات من الكوسا والباذنجان والفلفل، واللوبيا والملوخية، والخيار.

يقول: "عشت الحياة بكل تفاصيلها هنا، لا أعرف معنىً للاستقرار إلا في هذا المخيم، لذا حين أُجبرت على النزوح منه 4 مرات خلال الحرب، عانيت كثيرًا من الناحية النفسية، وكنت أعدّ الأيام بالساعة لأعود إلى أحضانه".

وفي كل مرة يعود فيها "أبو أيمن" إلى مخيم جباليا، كان يبدأ من الصفر ويُعمّر ما دمره الاحتلال ليستعيد عافية مشتليه، بزراعة بذور النباتات من الكوسا والباذنجان والفلفل، واللوبيا والملوخية، والخيار.

وها هو يعود ليبدأ من تحت الصفر بعد انتهاء الحرب، بزراعة أشتال نباتات ورقية من الجرجير والريحان والبقدونس والجرادة والزعتر، لكن برأيكم ما الدافع للحياة وسط كل هذا الجحيم؟

"هل تُصدقون حين عدت ورأيت كل هذا التخريب، لم أشعر بشيء! قلت في نفسي المهم أننا عدنا، ثم متى سَلِم الأولاد، كل شيء يعود ويُعمّر، وها نحن فعلًا عُدنا، الآن كلنا نحاول؛ لأن هذه الأرض أرضنا".

يردّ علينا هذا المسن الذي تعود أصول عائلته إلى قرية "حمامة" بصوتٍ ممزوج بالأمل: "ما رأيناه يفوق الوصف، وما فعلوه في جباليا تدمير مُخيف أعدموا هنا الحياة حقيقةً، لكن منْ قال إننا سنرضى أن يكون المخيم على هذا الحال؟".

ثم تابع باسمًا: "هل تُصدقون حين عدت ورأيت كل هذا التخريب، لم أشعر بشيء! قلت في نفسي المهم أننا عدنا، ثم متى سَلِم الأولاد، كل شيء يعود ويُعمّر، وها نحن فعلًا عُدنا، الآن كلنا نحاول؛ لأن هذه الأرض أرضنا".

المخيمات بؤر ملتهبة..

أستاذ التاريخ في الجامعة الإسلامية بغزة، ومؤسس مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني د. خالد الخالدي، يقول لـ"نوى": "للمخيمات رمزية كبيرة لدى الفلسطينيين، فإقامتهم فيها منذ تهجيرهم من أرضهم سنة 1948م، تعني أنهم يقيمون خارج مدنهم وبلداتهم وقراهم المحتلة، مؤقتًا إلى أن يتمكنوا من تحريرها".

ويرى أنّ "إقامتهم بالمخيمات تُبقي قضيتهم العادلة، وحق العودة إلى أرضهم حيّةً في قلوبهم وعقولهم، يتوارثها الأحفاد عن الآباء والأجداد جيلًا بعد جيل، ويدفعهم إلى عدم نسيانها بذل أقصى الجهد في مقاومة الاحتلال من أجل التحرير".

ولطالما كانت المخيمات بؤرًا ملتهبة في مقاومة الاحتلال -والحديث للخالدي- وهذا دفع الاحتلال للسعي بشتى الطرق من أجل إنهاء وجودها، وقد أقدموا في سبعينات القرن الماضي على هدم مربعات سكنية فيها، ودفعوا أهلها إلى مغادرتها مرارًا.

"كما لجأوا إلى التحايل لتفريغها، بتوفير بيوت في مجمعات سكنية أفضل حالًا من بيوت المخيم، ووعدوا بها من يغادر بيته هناك، لكن الفلسطينيين انتبهوا إلى حيلهم، وعادوا إلى بيوتهم السابقة في المخيم" يزيد.

بالتوازي مع ذلك يُنبّه إلى أنّ الاحتلال اتبّع أسلوبًا آخر لإجبار أهالي المخيمات على مغادرتها، من خلال التضييق على (الأونروا)، ودفعها إلى تقليص خدماتها، "وفي حرب الإبادة، شن الاحتلال حملة إعلامية واسعة ضدها، ووجه إليها الاتهامات، واستهدف مقراتها، وأوقف عملها، وقتل عددًا من موظفيها، كل ذلك من أجل حملها على وقف أعمالها، وبالتالي إنهاء وجود المخيمات".

دور "أونروا"..

بدوره يؤكد المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" عدنان أبو حسنة في تصريح خاص لـ"نوى"، أنّ "إسرائيل" تتحدث بوضوح عن هدفها تصفية "أونروا"، مشيرًا إلى أن حدوث ذلك يعني تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي تصفية معايير الحل السياسي القادم، وتصفية ما يساق كـ"حل الدولتين".

ويضيف: "إسرائيل تظن أنها إذا قامت بتصفية "أونروا" ستقضي على قضية اللاجئين، وحقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم، لكنها لم تنتبه إلى أنّ جميع القرارات الدولية المتعلقة بهذه القضية، كانت في عام 1948م، يعني قبل إنشاء الوكالة الأممية بعام".

وعدّ الربط بين "أونروا" والقرارات الأممية قرارًا خاطئًا وفي غير محله، "لأنه إنّ نجحت "إسرائيل" بتصفية الوكالة، بالنهاية قضية اللاجئين باقية، وقراراتهم هم الذين سيحددونها لا أحد آخر".

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار بغزة، تمكنت "أونروا" من الوصول لمليوني فلسطيني في القطاع، وقدمت لهم مساعدات غذائية، بالإضافة للخيام والفراش والأغطية، التي منحتها لنصف مليون إنسان، وفق أبو حسنة.

إلى جانب ذلك، يزور عيادات "أونروا" الصحية في القطاع 18 ألف مريض يوميًا، كما تم تسجيل 277 ألف طالب ببرنامج التعليم عن بعد، فضلًا عن افتتاح 130 مساحة تعليمية وجاهية، يتلقى فيها 47 ألف طالب حاليًا تعليمهم.

"الأوضاع في القطاع "خطيرة ومتدهورة"، وقرار إغلاق المعابر ومنع المساعدات منذ مطلع مارس/ آذار الجاري، يعيد غزة إلى نقطة الصفر مرة أخرى".

ويصف أبو حسنة، الأوضاع في القطاع بأنها "خطيرة ومتدهورة"، محذرًا من أنّ قرار إغلاق المعابر ومنع المساعدات منذ مطلع مارس/ آذار الجاري، يعيد غزة إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

كذلك، تعيش مخيمات الضفة الغربية واقعًا غير مسبوق بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك، التي تسببت بتهجير نحو 35 ألف شخص من جنين وطولكرم، وهدم المنازل وحرمان آلاف الطلبة من حقهم بالتعليم، بحسب أبو حسنة.

ويشير إلى أنّ الوكالة تُقدم بالتعاون مع وزارات فلسطينية ومؤسسات أممية، مساعدات عينية ومالية وطرودًا غذائية وفراش وأغطية للنازحين في مخيمات شمالي الضفة، كنوع من الإسناد في ظل ما يعانونه من ظروف إنسانية ومعيشية صعبة.

ويشدد، على أنّ "أونروا" ستبقى مستمرة في عملياتها بالقدس والضفة وقطاع غزة، "ومن المستحيل تخيّل الأوضاع من دون الوكالة التي تُشكّل شريان الحياة بالنسبة للفلسطينيين، لا سيما اللاجئين منهم".

سُبل دعم "أونروا"

ويقدم المحلل والمختص في شؤون اللاجئين علي هويدي من لبنان في مقابلة خاصة بـ"نوى"، رؤيته حول السبُل التي يُمكن من خلالها تثبيت وجود "أونروا" في المخيمات، واستمرارية عملها وزيادة دعمها المالي.

ويؤكد أنّ الاحتلال يحاول عبر منهجية استراتيجية، التخلص من جميع الشواهد على نكبة فلسطين سواءً المخيم أو مسمى لاجئ، أو وكالة "أونروا"، وهذا ما يُفسّر استهداف المخيمات في غزة خلال حرب الإبادة وعددها ثمانية، أو بالضفة التي تضم 19 مخيمًا.

ويشير إلى أنّ هذه الاستهدافات هدفها إزالة "الرمز" الذي يُذكّر المجتمع الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم المشروع بالعودة.

وما لا يُمكن إغفاله، هو عمليات التهجير الداخلي التي جرت في غزة خلال الحرب، وما يجري حاليًا في الضفة، ويضيف: "لو استطاع أن يُمارس ثِقله وضغطه لتنفيذ رؤيته الاستراتيجية بتهجير شعبنا من الضفة إلى الأردن، ومن غزة إلى مصر، لن يتردد في ذلك".

لكن الشعب الفلسطيني -والحديث لهويدي- أثبت قدرته على الصمود في وجه كل محاولات التهجير الإسرائيلي، رغم أن ذلك لا يكفي، "إذ يجب الحفاظ على المخيم بكل السبل، وهذه مسؤولية تقع أولًا على عاتق الحكومة، والفصائل، واللجان الشعبية، ومؤسسات المجتمع المدني مجتمعة".

ويوضح أنّ ما تتلقاه "أونروا" من دعم مالي منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، لا يزال في خانة "التبرعات المالية التطوعية من الدول المانحة"، وهذه معضلة كبيرة ومتراكمة، خاصة مع تزايد أعداد اللاجئين لأكثر من 6 ملايين، مؤكدًا أنّه صار لزامًا على وكالة الغوث، الحصول على تمويل سنوي ثابت من الأمم المتحدة.

"أونروا" حاجة إنسانية ضرورية ملحّة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وعنصر أمان واستقرار في المنطقة".

يكمل: "هذه مسؤولية تقع على عاتق اللجنة الاستشارية للوكالة المكوّنة من 29 دولة و4 مراقبين، التي يجب أن تأخذ دورها بالسعي لتوفير المبالغ لـ "أونروا"، كما يجب أن يكون هناك جهدًا مضاعفًا من المفوض العام، للتواصل مع الدول المانحة، ومحاولة التأثير عليها، وإقناعها بضرورة استمرار تمويلها".

وذكّر بما قالته 165 دولة أيّدت تمديد عمل الوكالة لثلاث سنوات إضافية -تنتهي في حزيران 2026م- حول أن "أونروا" حاجة إنسانية ضرورية ملحّة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وعنصر أمان واستقرار في المنطقة، "وهذا يدفعنا لترجمة الأقوال إلى أفعال".

وشدد على ضرورة ممارسة ضغط أكبر على الدول المانحة، من خلال التواصل الثنائي بين سفراء فلسطين مع وزراء خارجية تلك الدول، في محاولة لإقناعهم بأهمية عمل الوكالة واستمراريتها وما تمثله من شريان حياة للاجئين الفلسطينيين في مختلف الأقاليم.

"الجميع موحد اتجاه وكالة "أونروا" وأهمية استمرار عملها في تقديم خدمات الغذاء، والصحة والتعليم، والبنى التحتية وغيرها، "لكن لابد من وجود حراك شعبي واسع داخل المخيمات والتجمعات، لإبراز حالة القبول لهذه الوكالة".

بالإضافة إلى ذلك، يلفت النظر إلى أهمية أن تقوم الأمم المتحدة نفسها بحماية وكالة الغوث، "فلا يعقل أن تتركها تغرق أو أن تتعرض لتهديد وجودي دون تدخل جدي منها، وأن تكتفي بعبارات الشجب والإدانة".

فلسطينيًا، كما يشير هويدي، فالجميع موحد اتجاه وكالة "أونروا" وأهمية استمرار عملها في تقديم خدمات الغذاء، والصحة والتعليم، والبنى التحتية وغيرها، "لكن لابد من وجود حراك شعبي واسع داخل المخيمات والتجمعات، لإبراز حالة القبول لهذه الوكالة، لما لها من ارتباط سياسي متمثل بحق العودة، وإنساني بتوفير الخدمات، وقانوني أيضًا كونها تعبر عن المسؤولية السياسية الدولية تجاه قضية اللاجئين".

وتحدث عن الحاجة المُلحّة لتحقيق الوحدة على برنامج وطني جامع، يكون عماده مقاومة الاحتلال بكل السبل والوسائل المتاحة، على اعتبار أن هذا الاحتلال غير مشروع، ومواجهته وفق القانون الدولي متاح.

وفيما يتعلق بالحديث عن إيجاد بدائل لـ "أونروا"، يقول: "الأمر مرفوض، فلا بديل عن الوكالة إلا الوكالة نفسها، ويجب أن تستمر في تقديم خدماتها إلى حين انتفاء السبب الذي من أجله تأسست، أي عودة اللاجئين إلى ديارهم".

كاريكاتـــــير