قلقيلية- شبكة نوى :
تبدو قرية عزون عتمة (جنوب شرق محافظة قلقيلية) وكأنها محاصرة ليس فقط بالجغرافيا؛ بل أيضًا بتدفق مستمر من مياه الصرف الصحي القادمة من مستوطنة شعاريه تكفا الواقعة شرق القرية، ومستوطنة أورانيت الواقعة غربها.
مياهٌ رمادية ذات رائحة كريهة تنساب نحو الأراضي الزراعية، تترك أثرًا بشعًا في التربة والمزروعات، وتحول مساحات خضراء كانت مصدر رزق إلى أرضٍ منهكة بيئيًا وزراعيًا.
يقول المزارع أبو أحمد (43سنة) من القرية إن المشكلة لم تعد حادثًا متقطعًا، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه على تفاصيل حياة المزارعين الزراعية في المنطقة القريبة من المستوطنة. فالمياه العادمة تصل الحقول عبر مجاري مفتوحة، لتتغلغل في التربة وتؤثر في جذور الأشجار، خصوصًا الزيتون والحمضيات والمحاصيل الموسمية.
بمرور الوقت، تبدأ الأشجار بفقدان عافيتها تدريجيًا، وتظهر عليها علامات الذبول وتراجع الإنتاج، فيما تتحول أجزاء من الأرض إلى مناطق متضررة زراعيًا.

مدير مدرسة الذكور الثانوية السابق أ. ع. مراعبة، وأثناء حديثه عن المشكلة فأفاد بأن المدرسة تتحول أحيانًا إلى بؤرة تلوث مباشرة بسبب فيضان مياه الصرف الصحي القادمة من المستوطنة المجاورة (شعاريه تكفا)، موضحًا أن انسداد خطوط التصريف يؤدي إلى تدفق المياه العادمة نحو ساحة المدرسة، بحكم وقوعها في منطقة منخفضة أسفل المستوطنة مباشرة.
ويضيف أن مجرى المياه العادمة يمر من الساحة الخلفية للمدرسة، ما يجعل الطلبة والهيئة التدريسية عُرضة بشكل دائم للروائح الكريهة والحشرات والبعوض، فضلًا عن المخاطر الصحية الناتجة عن التلوث.
ويشير إلى أن إدارة المدرسة تضطر في كل مرة إلى إبلاغ المجلس القروي ووزارة التربية والتعليم، التي تتواصل بدورها مع الجهات المختصة، بهدف إجراء تنسيق عبر الارتباط المدني للضغط باتجاه إصلاح الخلل ووقف تدفق المياه العادمة إلى محيط المدرسة.
ويؤكد رئيس مجلس القرية عبد الكريم أيوب أن مشكلة المياه العادمة المتدفقة من المستوطنات المحيطة هي أزمة مزمنة تواجه السكان منذ ثمانينيات القرن الماضي مع إنشاء المستوطنتيْن، وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
ويوضح أن المياه العادمة تنساب من مستعمرتي شعاريه تكفا شرق القرية وشمالها الشرقي، ومستوطنة أورانيت غربها وشمالها الغربي، لتتدفق نحو محيط عزون عتمة عبر عدة مواقع.
ويشير إلى أن أشجار الزيتون تُعد من أكثر المحاصيل تعرضًا للضرر من المياه الملوثة، غير أن التهديد الأخطر يطال التربة ومجرى الوادي المحاذي لقرية بيت أمين، حيث تتسرب المياه العادمة إلى أعماق الأرض، مهددةً بتلويث الخزان الجوفي الذي يعتمد عليه السكان مصدرًا رئيسيًا لمياه الشرب والاستعمالات المنزلية.

ويؤكد أن استمرار تشبع التربة بهذه المياه يفاقم مستويات التلوث البيئي، ويُنذر بتداعيات صحية متراكمة تمتد آثارها إلى المدى البعيد.
ويشير أيوب إلى أن المزارعين يواجهون خسائر متواصلة نتيجة تلف المزروعات، خاصة أشجار الزيتون، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى أراضيهم بسبب تجمع المياه العادمة داخل الحقول والروائح الكريهة والحشرات، الأمر الذي يعيق الحركة والعمل الزراعي.
ويوضح المهندس البيئي أيمن أبو ظاهر مدير سلطة جودة البيئة الفلسطينية- قلقيلية، الآثار التي تتركها تدفق المياه العادمة في الأراضي الزراعية ومثالًا عليها قرية عزون عتمة، قائلًا إن حجم الأضرار يرتبط بكميات المياه المتسربة وتركيز المواد الكيميائية فيها، لاسيما نِسب النيتروجين المرتفعة، فالتربة قد تشهد في المراحل الأولى نوعًا من الإثراء الغذائي نتيجة تراكم بعض العناصر، غير أن استمرار التدفق يحول هذه الفائدة المؤقتة إلى خطر حقيقي يهدد التربة والنباتات معًا.
ويضيف أن تشبع التربة بالمياه العادمة يؤدي إلى اختناق الجذور وتعفنها، فيما تسبب التراكيز العالية للنيتروجين والأملاح إضعاف الأشجار والمحاصيل وصولًا إلى موتها في بعض الحالات.
ولا تقتصر الأضرار على الجانب الزراعي فحسب، بل تمتد إلى مخاطر بيولوجية وصحية، نتيجة تكاثر الجراثيم والآفات وبيوض الحشرات في البيئة الملوثة.

أما معالجة هذه الأضرار، فيؤكد المهندس أبو ظاهر إلى أنها تحتاج إلى تدخلات طويلة الأمد، تبدأ بزراعة نباتات قادرة على مقاومة الأملاح وامتصاص جزء من الملوثات، مثل البوص وبعض أنواع النجيليات، إلى جانب إجراء عمليات غسل للتربة عبر أنظمة تصريف مدروسة تساعد على تقليل تراكم الملوثات واستعادة خصوبة الأرض تدريجيًا.
ويشير عبد الكريم أيوب إلى الحلول التي يحاول المجلس القروي تقديمها للمشكلة، قائلًا: قُدمت خلال السنوات الماضية شكاوى متكررة إلى جهات الاختصاص الفلسطينية، من بينها المحافظة، والارتباط المدني، وسلطة جودة البيئة، ووزارة الزراعة، إضافة إلى مؤسسات حقوقية وإعلامية.
ويضيف أن هذه الجهات تُعد تقارير دورية وتتابع القضية مع الجهات المعنية، بينما يجري الارتباط الفلسطيني اتصالات مع الجانب "الإسرائيلي"، وقد نُظمت أكثر من جولة ميدانية مشتركة بحضور ممثلين عن المجالس القروية، كانت تنتهي أحيانًا بحلول مؤقتة لا تلبث وتنهار مع عودة تدفق المياه العادمة من جديد.
ويضيف أن حجم المشكلة تراجع نسبيًا مقارنة بما كان عليه في السابق، لكنه يؤكد أنها لم تُحل حتى الآن. وفي إطار محاولات الحد من آثارها، أنشأ المجلس القروي، وعلى مراحل، قناة مغطاة من الباطون المسلح لتصريف مياه الأمطار والمياه العادمة، تبدأ من داخل المدرسة أسفل السور، إلا أن نحو 35 مترًا من المشروع ما تزال غير مستكملة حتى اليوم بسبب تكلفتها المرتفعة.
وفي خضم هذا الواقع، تبقى قرية عزون عتمة مثالًا صارخًا لقرية فلسطينية مطوقة بالاستيطان. فبين حلول مرحلية لا تنفع، وتدفق متواصل للمياه العادمة من المستوطنات إلى أراضيها الزراعية، تواصل القرية معاناتها بصمت، وسط غياب تام لمن يستمع أو يستجيب.
























