غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بمعوله اليدوي يتحسسُ المهندس عدلي زرندح، حاجة الناس لمأوى في مدينةٍ أنهكها الخراب. يصنع سقفًا وأشباه أعمدة؛ ليبني جدرانًا من الخشب ويصمم الفتحات والمساحات المخصصة للأبواب والنوافذ.
منذ بداية حرب الإبادة حرص زرندح ( 49عامًا)، الذي يطلق عليه أهل منطقته لقب "الطوبارجي المهندس"، على تقديم يد العون إلى جيرانه ومعارفه الذين تضررت منازلهم بشكلٍ جزئي أو كلي بفعل القصف الإسرائيلي على غزة، وذلك في محاولةٍ للاستفادة من المسكن من أجل الإيواء.
سرعان ما تحولت فكرته إلى مشروع، وسط إقبال كبير من الناس؛ نتيجة ارتفاع تكلفة إيجار المنازل المتبقية في المدينة.
يحكي لـ"نوى": "بعض الناس قصدتني فقط لتستر نفسها في بيتها المفرّغ، وواحد من أهم المنازل التي أنجزتها هو منزل جارٍ لي، لم يكن يصلح لشيء، لا حمام، ولا مطبخ، ولا نافذة، وكان دوري أن أحول ما تبقى من عمارته المكونة من 3 طوابق إلى بيت يمكن العيش فيه".
35 عامًا بالتمام من الخبرة والمهارة، عمل خلالها زرندح في مجالي البناء والنجارة، وشارك بالإشراف على عدد من المشاريع المعمارية الكبيرة، ما جعله موثوقًا من قبل كل من يعرف مهارته العالية في الإعمار.
يستخدم زرندح خشب "الأبلكاج" المقوّى والمقاوم للماء "بسمك 3 ملمترات" إلى جانب قطع النايلون، لوصل السقف مع أرضية المنزل "المفرّغ" عبر الألواح الخشبية، ومن ثم يغلفها بالنايلون؛ لتحقيق حمايةٍ أكبر من المطر والعوامل الجوية، فيما يلجأ "للدعامات" كبديلٍ عن الأعمدة الآيلة للسقوط.
"صاحب المنزل أولى بكل قرش"
يؤكد الرجل حرصه على الاستفادة من ركام المنازل بقدر الاستطاعة، فيستخدم "ألواح الزينجو، وأسقف البرافيل، والألمنيوم، وبقايا العفش والأثاث" في عملية الترميم، من أجل توفير المال على الزبون، ملفتًا إلى أنه يُسخر علاقاته في توفير بعض الأدوات التي يحتاجها بأسعار مُخفضة.

"صاحب البيت المهدم أولى بكل شيكل"، هذه قاعدته الأولى في العمل، في حين يمضي قدمًا كل مرة، في استثمار المساحة المتبقية من المنزل بصورةٍ تُحقق أقصى استفادة، وباستخدام الأدوات المتاحة.
يقول: "أحاول زيادة عدد الغرف حسب الرغبة، ويكفي أن يكون في البيت سقف وأشباه الأعمدة؛ كي أجعل منه مسكنًا ملائمًا، بمطبخ وحمام ومنافع"، مشيرًا إلى نجاحه في تزويد أحد المنازل "بمنشر غسيل خشبي داخلي"، يمكن تركيبه وفكه واستخدامه وقت الحاجة، ضمن استغلال المساحة.
ولفت زرندح إلى أنه يحتاج إلى أسبوعٍ كامل من العمل طوال النهار لإنجاز الشقة الواحدة، بكل مكوناتها، التي يحرص من خلالها على تحقيق المنفعة مع المحافظة على العنصر الجمالي، وهو ما فعله في مطبخ جاره -ويدعى أبو العون- "مطبخ بجدران ورفوف ومجلى خشبية مُغلفة بالنايلون الأبيض المؤطر بلون مغاير، كمحاكاة للبلاط الصيني".
ستر وأمان
وحول الاحتياطات التي يتخذها زرندح، فقد أكد على تأمينه للمنزل بطريقة تُمكّن صاحبه من إغلاقه في حال اضطر للخروج، كما يحاول أن يحمي الأطفال في حال اضطروا للاستناد على جدران الشقق المرتفعة.
ويكمل: "أزود الجدران الخشبية بنوافذ يمكن فحتها، مصنوعة من "النايلون الشفاف"؛ لتلبية حاجة المنزل إلى الهواء والشمس، فيما أختار لها مستوى مرتفع في سبيل حجب الكشف من قبل بيوت الجيران".
ويعمل زرندح على تزويد المساكن بإمدادات الماء والكهرباء والإنارة البديلة، بعد دراسة خطوط الكهرباء والمناطق العازلة، بعيدًا عن "مضرب المطر" أو الجدران والأسقف المتشققة؛ لتجنب أي ضرر يُمكن أن يلحق بأهل المنزل، لا سيما في ظل وجود الأطفال، مؤكدًا أن العيش بالمنازل المرممة بين الجدران الخشبية، "أفضل من مليون خيمة، وأفضل من الإيجار".
وحول المردود المادي الذي يحصده زرندح، فقد أكد حصوله على أسعار رمزية مقابل نهار كامل من العمل، مضيفًا: "يوميتي لا تتجاوز 50 شيكلًا بينما يحصل غيري مقابل نفس العمل على 400شيكل! أنا أحاول أن أوفّر مبلغًا يسد احتياجاتي البسيطة فقط، وفي نفس الوقت، أساعد الناس في ترميم ما يمكن ترميمه من حياتهم التي كانت قبل الحرب".
"هذا العمل مُتعب أكثر من البناء بحد ذاته.. أعمل في البيوت المقصوفة كمن يحاول إحياء ميت".
وحول عمله في إنشاء الجدران الخشبية بعد فقدانه عمله منذ عام ونيف، يقول زرندح: "هذا العمل مُتعب أكثر من البناء بحد ذاته"، مبررًا استمراره فيه بقوله: "القدرة المالية لدى أهالي القطاع الآن صعبة، كما أن الإعمار مرحلة غير محددة الموعد (..) أعمل كمن يحاول إحياء ميت" على حد وصفه.
كما أوضح أنه لا يتوقف عن تغذية بصره في مجال البناء والديكور، عبر متابعة كل جديد يتعلق بها، مشيرًا إلى أنه لا يفضل الأفكار التقليدية، كما يحاول أن يضع لمسته المختلفة في بعض ما يحاكيه من الأفكار المميزة.
يزيد: "نقلت خبرتي هذه للعديد من العمال، وأنا على يقين بأن من يحب عمله يبدع به".
























