غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يحتضن الأسير المحرر خالد السيلاوي (35 عامًا) والدته بقوة، بعدما ظنّ يومًا أن اللقاء صار ضربًا من ضروب الخيال. رغم ذلك لم يكن مشهد الفرح مكتملًا بالحرية، عندما غاب عنه "أحمد".
"شقيقي الذي ارتقى شهيدًا في أكتوبر 2024م" يقول خالد، ابن مدينة جباليا، شمالي قطاع غزة، ويضيف بحرقة: "لقد حرموني من لقائه للأبد".
اعتُقل خالد قبل 14 عامًا، قرب أحد المناطق الحدودية شمالي قطاع غزة. حُكم عليه بالسجن 20 عامًا كاملة، لكنه خرج حرًا مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى، من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
بغصةٍ يروي تفاصيل الاعتقال التي لم تغادره بعد: "اعتُقلت يوم 30 ابريل/ نيسان 2011م، وخضعت للتحقيق في سجن عسقلان مدة 84 يومًا منفصلات، في زنزانة لا تزيد مساحتها على متر ونصف وأرضية خشنة، مع ضوءٍ أصفرٍ خافت تسبب في إصابتي بضعف البصر، وأجلسوني على كرسي لا يزيد ارتفاعه على 40 سم تسبب في آلام بظهري".
تعرّض السيلاوي خلال التحقيق للتعذيب النفسي والجسدي، وقد تعمّد المحققون الإسرائيليون حرمانه من النوم من خلال إجلاسه لأيامٍ في غرفة التحقيق، ورشق وجهه بالماء أو صفعه كلما غفا.
يقول: "لأول مرة أبتعد عن أمي وأهلي، نقلوني إلى سجن عسقلان وبقيت فيه لشهرين، ثم إلى سجن رامون ومكثت فيه ست سنوات، وهناك حدثت مناوشات مع إدارة السجن بسبب تكرار عمليات اقتحام غرف الأسرى والتفتيش المصحوب بالإهانات".
"أحد الأسرى كان يقلي البطاطا، فسكب الجنود الزيت المغلي عليه وعلينا، لم أحتمل المشهد، فقمتُ بطعن أحد الجنود".
ويروي: "ذات مرة قمنا بحرق الغرفة التي اقتحمها الجيش كأسلوب احتجاجي، وهنا اقتحمت السجن وحدات المتسادا رغم وجود قرار من المحكمة الإسرائيلية بحلّها كونها قتلت عام 2007م الأسير إياد الأشقر، لكن إدارة السجون لم تلتزم، وأعادت تشكيلها"، مشيرًا إلى أنها اقتحمت القسم بشكل عنيف مصحوب بالإهانات، "إذ أخرجوا الأسرى كبار السن عُراة، إضافة للضرب المبرح، حتى أن أحد الأسرى كان يقلي البطاطا، فسكب الجنود الزيت المغلي عليه وعلينا، وأصيب عدد لا بأس فيه بحروق، وهنا لم أحتمل المشهد، فقمتُ بطعن أحد الجنود".
نقل خالد بعدها إلى العزل الانفرادي لمدة 15 شهرًا، ثم أعادوه إلى سجن "رامون"، "لكنهم حرموني رؤية أهلي، وفي مطلع عام 2020م نقلوني إلى سجن "جلبوع" شمالي فلسطين" يستدرك.
حصل خالد على شهادتَي الثانوية العامة والبكالوريوس وهو في السجن، ومع انتقاله إلى سجن "جلبوع"، حصل على شهادة الماجستير من جامعة "أبو ديس" بالقدس.
حصل خالد على شهادتَي الثانوية العامة والبكالوريوس وهو في السجن، ومع انتقاله إلى سجن "جلبوع"، حصل على شهادة الماجستير من جامعة "أبو ديس" بالقدس، في تخصص العلوم السياسية – دراسات إسرائيلية، عن رسالة بعنوان: "العنف في الأيدلوجية الصهيونية".
وبرغم أن التعليم لم يكن سهلًا، إلا أنه تمكن من تحقيق هذه الإنجازات، "فالوقت يمضي طويلًا، وكان علينا أن نقضيه بما ينفعنا لحظة الخروج"، يضيف: "كان مسموح لكل أسير كتابين في كل زيارة، وبما أنني كنت محروم من زيارة أهلي، كنت أعتمد على زائرين لأسرى آخرين كي يحضروا لي الكتب".
وقعت أحداث نفق الحرية أثناء تواجد خالد في سجن "جلبوع"، فر الأسرى من قسم 2، بينما كان خالد يتواجد في قسم 3، وهذه المرحلة كانت صعبة للغاية، "تعرضنا لموجة عنف كبيرة من قبل إدارة السجون" يقول.

ويضيف: "في ذلك اليوم، انطلقت صفارات الإنذار وبدأت وحدات من المتسادا والدرون والنحشون وغيرها التجهيز لاقتحام السجن، كل الرتب العسكرية تواجدت في السجن يومها، عرفنا أن هناك حدثًا كبيرًا، لكننا لم نتوقع أن يكون فرار غرفة بأكملها".
اعتدى الجنود -وفق السيلاوي- على الأسرى، ونقلوهم إلى سجن شطة القريب، "كان الضرب مبرحًا لدرجة أننا في اليوم التالي لم نعرف بعضنا، كنا نتعرض للعنف بشكل دائم، وصدقًا يومها شعرنا أننا دفعنا ثمن شيء يستحق، الشعور بالنصر مقابل شعورهم بالهزيمة فيما كانوا يظنون أن سجونهم أكثر السجون تحصينًا في العالم" يعقب.
"علم الأسرى في سجن جلبوع بأحداث السابع من أكتوبر الساعة السادسة والنصف صباحًا، من نشرة الأخبار العبرية.. هنا فقط، أدركنا أن موعد الحرية بات قريبًا".
أما فيما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر/ تشرين أول، فكان المشهد في السجن ملحميًا، يخبرنا: "علم الأسرى في سجن جلبوع بالأمر الساعة السادسة والنصف صباحًا، من نشرة الأخبار العبرية على التلفزيون الإسرائيلي.. هنا فقط، أدرك الأسرى أن موعد الحرية بات قريبًا".
ويزيد: "رأينا الصور وسمعنا صفارات الإنذار، كان هناك قرار بتغييب مصير أسرى غزة فكانت لهم سجونهم الخاصة، ولم يأتوا بأحد إلى سجن جلبوع الذي تم تقليصه إلى ثلاثة أقسام، معظمها لذوي المحكوميات العالية"، مردفًا: "عرفنا أن هناك قرار بقتل كل من دخل إلى غلاف غزة وعائلاتهم، حتى لمن دخلوا من باب الفضول وليس من أجل المشاركة. يومها سحبوا منا في السجن كل الأدوات التي يمكن أن تبقينا على اطلاع بما يحدث خارج الزنزانة، تلفزيون وراديو وخلافه، حتى الكهرباء قطعوها علينا، وأصبحت أخبار قطاع غزة تصلنا من خلال المحامين، وأحيانًا لا تصل".
يكمل: "حين أفرج عنا قررنا أنا وزملائي أن نندس بين الناس، وألا نبدي أي فرحة بالتحرر، فحجم التضحيات التي قدمها قطاع غزة يجعلنا نخجل من أن نبتسم حتى".
حرمت والدة خالد من زيارته منذ أكثر من 7 سنوات، تقول: "ملامحه تغيّرت علي لدرجة أنني لم أعرفه حين رأيته. دلّني عليه قلبي، رغم ضعف بصري".
أما والدته، التي لم تصدق بعد أن ابنها أمامها حرًا، لا سيما وقد حرمت حتى من زيارته منذ أكثر من 7 سنوات، فتقول: "ملامحه تغيّرت علي لدرجة أنني لم أعرفه حين رأيته. دلّني عليه قلبي، رغم ضعف بصري".
تضيف: "14 عامًا مرّت عليّ كالكابوس، شاركتُ بمعظم وقفات أمهات الأسرى أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أمل أن يسمعنا أحد، وأحيانًا كانت تعيقني آلام المفاصل".
كانت ظروف الشتاء والصيف تمرّ على الأم ثقيلة، فكيف لقلبها القلق على ابنها أن ينام؟ تكمل: "خشيت أن أموت ولا ألقاه. حين كنت أزوره، لا أسمع صوته إلا من خلف الزجاج وعبر سماعة هاتف، كانوا يشوشون علينا الحديث، فنضطر للحديث بالإشارة، لا حضن ولا لقاء ولا حتى فرصة للكلام".
لم يحظَ خالد أبدًا برؤية أحمد شابًا، لقد رأى الكثير من الصور له خلال زيارات أمه الأولى قبل المنع، لكنه لم يعرفه، ولا تزال صورة طفولته هي العالقة في ذهنه له.
خالد هو ثالث أخوته الذكور وهم خمسة، استشهد أولهم قبل عامين من اعتقاله، بينما اعتقل خالد حين كان شقيقه "أحمد" لا يزيد عمره على ثماني سنوات.
لم يحظَ خالد أبدًا برؤية أحمد شابًا، وكان يعدّ الأيام يومًا بيومٍ كي يتحرر ويحتضنه. لقد رأى الكثير من الصور له خلال زيارات أمه الأولى قبل المنع، لكنه لم يعرفه، ولا تزال صورة طفولته هي العالقة في ذهنه له.
مشهد لقاء الأم كان صعبًا. هي لم تعرف خالد، وهو هرول ناحيتها خشية أن تسقط وهي تبحث عنه بين الوجوه كونه يعلم أنها مصابة بآلام المفاصل. التقيا، وتعانقا بقوة. بكيا كثيرًا زمن الغياب، وشعرا بطيف أحمد قريبًا جدًا، رغم مسافات البعد المستحيلة.
























