غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تنظر الشابة رؤى القطّاع إلى أكوام النفايات قرب المدخل الرئيس لشارع بيتها بمنطقة حي التفاح وسط مدينة غزة، تتأفف ثم تغلق النافذة سريعًا وهي تقول: " منذ ظهرت هذه المكبّات العشوائية ونحن نعاني. اختناق وبعوض ومشاكل صحية على مدار الساعة".
وانتشرت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ظاهرة مكبّات النفايات الصلبة العشوائية، خاصة في مدينة غزة، التي اكتظت بالسكان والنازحين إليها من شمالي القطاع. ومع عدم قدرة بلدية غزة على مواصلة العمل بسبب الاستهداف الإسرائيلي لجأ المواطنون إلى ترك نفاياتهم في مساحات فارغة، تحولت لمكبات وتسببت بالكثير من العوارض الصحية للمواطنين.

تقول العشرينية رؤى لـ"نوى": "عند مدخل شارعنا مكبّ وآخر خلف بيتنا، رائحة النفايات تزكم الأنوف، ورائحة إحراقها بهدف التخلص منها يقتلنا بين الفينة والأخرى"، مشيرةً إلى أن أمها أكثر المتضررين بهذه المكرهة، إذ تعاني من حساسية في الصدر، وصعوبة في التنفس.
ووفقًا لبلدية غزة، فإن 170 ألف طن من النفايات الصلبة تنتشر بشكل خطير في مدينة غزة، وسط ضعف في قدرة البلدية على علاج المشكلة، بسبب عدم وجود الآليات اللازمة والكافية.
"قالت لي جدتي التي توفيت خلال الحرب، إنها لم تشعر بهذه الأزمة حتى عندما عاشت تجربة الهجرة (وكان عمرها 12 عامًا) برفقة عائلتها خلال نكبة عام 1948م".
عودة إلى رؤى التي أضافت: "كنا نضع على أنوفنا الكمامات أغلب الوقت، لكنها نفدت الآن، أما جدتي رحمها الله التي ماتت قبل وقت قصير، فقد عانت كثيرًا من ضيق التنفس بسبب رائحة النفايات، وقالت إنها لم تشعر بهذه الأزمة حتى عندما عاشت تجربة الهجرة (وكان عمرها 12 عامًا) برفقة عائلتها خلال نكبة عام 1948م".
إلى غربي المدينة، حيث كانت الشابة رشا أحمد (27 عامًا)، تحمل طفلتها ريم البالغة من العمر عامين بين ذراعيها. تقول: "أنا وريم عانينا وما زلنا نعاني بسبب انتشار المكبّات العشوائية طوال فترة الحرب".
تعيش الشابة مع طفلتها في كنف عائلتها في شقة بحي الرمال، غربي مدينة غزة، وكما سابقتها فقد صمدت في مدينة غزة، عندما أجبر الاحتلال مئات آلاف المواطنين على النزوح إلى جنوبي القطاع، ما جعلها تعايش تجربة انتشار هذه المكبات منذ بداية الحرب.
تقول رشا: "عانينا من انتشار البعوض والقوارض والحشرات، حتى أن طفلتي كان تتعرض للدغات بشكل دائم، وحين يتم حرق المكب تصبح الأمور أسوأ، فنتعرض للاختناق خاصةً شقيقي الذي يعاني من حساسية صدرية".
وفي مقابلةٍ مع "نوى"، يوضح المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن النفايات انتشرت في مدينة غزة بشكل كبير خلال حرب الإبادة التي استمرت 15 شهرًا، وتراكمت كمية تزيد على 165 ألف طن في شوارع وأزقة مدينة غزة، وتسببت في انتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، وأصبحت تشكل قنبلة موقوتة وسط السكان.
"البلدية اضطرت إلى نقل كميات كبيرة من النفايات إلى مكب مؤقت في منطقة سوق فراس سابقًا، لحين سماح الاحتلال بنقل النفايات إلى مكب جحر الديك".
ويقول: "الاحتلال الإسرائيلي منع طواقم بلدية غزة من الوصول إلى مكب النفايات الرئيس في منطقة جحر الديك جنوب شرقي المدينة، وهذا تسبب في وجود المكبات العشوائية وسط الأحياء السكنية"، مشيرًا إلى أن البلدية اضطرت إلى نقل كميات كبيرة من النفايات إلى مكب مؤقت في منطقة سوق فراس سابقًا (سوق شعبي قديم أُزيل قبل الحرب بغرض تجديد المكان)، وتم استخدام المكان لحين سماح الاحتلال بنقل النفايات إلى مكب جحر الديك.
لكن المشكلة الأكبر كما يؤكد مهنا، هي عدم توفر الآليات التي تساعد البلدية على نقل هذا الكم الكبير من النفايات، موضحًا أن الاحتلال دمّر 133 آلية تابعة لبلدية غزة، ولم يعد هناك آليات يمكنها التعامل مع مشكلة النفايات، كما لم يعد سهلًا التعامل مع النفايات وفصلها عن الركام.
وشدد على أن البلدية ما زالت تحاول طرق كل الأبواب، من خلال التعامل مع المؤسسات الدولية، "لكن الواقع صعبٌ جدًا، في ظل نقص الأدوات والآليات اللازمة ونقص الوقود" يستدرك.
وكانت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أصدرت منتصف عام 2024م تقريرًا حول واقع النفايات الصلبة في قطاع غزة خلال الحرب، أكدت فيه أن 330 ألف طن من النفايات، تكدست في قطاع غزة حتى منتصف العام الماضي فقط، وأن تجمعات النفايات تشكل مخاطر صحية وبيئية على المواطنين.
"تراكم النفايات في هذه المكبات تسبب في انتشار الحشرات والقوارض، ما تسبب بزيادة المخاطر الصحية والبيئية، خاصةً مع تحلل النفايات، وتلوث الهواء".
وتابع التقرير: "إن تراكم النفايات في هذه المكبات تسبب في انتشار الحشرات والقوارض، ما تسبب بزيادة المخاطر الصحية والبيئية، خاصةً مع تحلل النفايات، وتلوث الهواء، الذي يشكل خطرًا على التنفس خاصة بالنسبة للأطفال والمرضى".
وأضاف: "حرق النفايات في هذه المكبات العشوائية بما فيها من مواد مختلفة كالبلاستيك والبتروكيمياويات، ينتج كميات ضخمة من السموم والمواد المسرطنة والغازات السامة".
























