غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"داست جسدها الدبابة حتى فرمتها تمامًا، لم نجد حتى جثمانًا نودعه"، قالت أريج الجمّال وهي تبكي أمها صفية.
صفية الجمّال (62 عامًا) لم يعرفها بعدما تساوى لحمها ودمها بالأرض، إلا أولادها، من ثوب الصلاة الذي كانت ترتديه، بعد أن قُتلت "حيةً" تحت جنازير دبابة إسرائيلية أثناء اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، في 26 حزيران/ يونيو 2024م.
"داست جسدها الدبابة حتى فرمتها تمامًا، لم نجد حتى جثمانًا نودعه".
تقول أريج: "عندما ألقى جيش الاحتلال قنبلة داخل البيت، حاولت أمي حمايتنا بجسدها، وأصيبت في بطنها الذي كان مفتوحًا وأحشاؤها خارجه، اصطحبت مجندة أمي وسط صراخنا وقالوا لنا اخرسوا، وضعوا أمي في الدبابة وكانت قدمها تتحرك، أجبرونا على الخروج ولم نتمكن من العودة سوى بعد 12 يومًا لنجد جثمان أمي مفرومًا تحت جنازير دبابة".
صفية هي واحدة من (12298) امرأة استشهدن خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي شنها الاحتلال الإسرائيلي يوم 7 أكتوبر 2023م، وبلغ عدد ضحايا (46707) شهيدًا وشهيدة حتى يوم 15 يناير 2025م، بينما تجاوز عدد المصابين (110) آلاف، بينهم 70% من الأطفال والنساء، وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

لم تكن النساء الفلسطينيات ضحايا لجرائم القتل فقط، بل إن المصابات منهن حرمن من حقهن في تلقّي العلاج المناسب، بسبب حالة الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وانضمت الكثيرات منهن إلى فئة ذوات الإعاقة.
رئيسة أبو جازية هي واحدة من ذوات الإعاقة اللاتي أجبرن على النزوح قسرًا من مدينة غزة.
على كرسيها المتحرك قطعت الطرق شديدة الوعورة نحو جنوبي قطاع غزة، حيث تعيش حاليًا في خيمة بأحد مخيمات النزوح بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تفتقد لكل أشكال المواءمة مع احتياجاتها، وتنتظر العودة!
"لم أشعر بالخوف في حياتي مثلما أخاف الآن، ولم أجرب شعور العجز كما خبرته الآن. في هذه الخيمة، كل شيءٍ لا يناسبني" تقول رئيسة أبو جازية بنبرة أسى.
عانت رئيسة من فقدان احتياجاتها الأساسية، وعدم مواءمة المكان لها، وفقدان الخصوصية وأدوات النظافة الشخصية التي ارتفع ثمنها بشكل كبير، فأصيب جسدها بالتقرحات لافتقادها الفرشة الطبيبة الخاصة بها، كما أصبحت تتناول طعامًا لا يناسب وضعها الصحي الذي تراجع كما غيرها من ذوات الإعاقة.
"الكثير من ذوات الإعاقة نزحن إلى الخيام في أماكن تفتقد للخصوصية دون أدنى وسائل المواءمة، وافتقادهن إلى الرعاية الصحية اللازمة".
"عامٌ هو الأسوأ على ذوات الإعاقة"، هكذا تصف الناشطة سوزان العمصّي الحال عام 2024م، فالمعاناة التي عايشنها لا تقارن بأي تجارب قاسية مرّت عليهن سابقًا.
تقول الشابة التي تنشط في مجال الدفاع عن حقوق ذوي وذوات الإعاقة "إن أكبر مشكلة عانت منها النساء خلال الحرب هي النزوح المتكرر والتنقّل دون وجود سيارات، وفقدان العديد من الأدوات المساعدة، لا سيما ذوات الإعاقة السمعية اللواتي فقدن السماعات الخاصة بهن".
وأضافت: "الكثير من النساء نزحن إلى الخيام في أماكن تفتقد للخصوصية دون أدنى وسائل المواءمة، وافتقادهن إلى الرعاية الصحية اللازمة، والأقسى هو فقدان الكثيرات لأحد أفراد العائلة أو أكثر، ما جعل معاناة الفقد تضاف إلى معاناة النزوح والمعيشة في خيام وفقدان الرعاية، دون تدخل سريع من قبل المؤسسات التي لم تراعِ منذ البداية الاحتياجات الخاصة لذوات الإعاقة".

وقدّرت منظمة الصحية العالمية أن أكثر من 26 ألف شخصٍ ممن أصيبوا خلال الحرب حتى 23 يوليو 2024م لديهم إصابات "تغيّر مجرى حياتهم"، وتتطلب خدمات تأهيل لسنواتٍ مقبلة، ويشكّلون نحو 25% من مجموع المصابين، بينما تعلن وزارة الصحة الفلسطينية أن نحو 70% من المصابين هم من النساء والأطفا.
وكان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قدّر عدد ذوي وذوات الإعاقة في قطاع غزة حتى اندلاع حرب الإبادة بـ 58 ألف فرد، يشكّلون ما نسبته 2.6% من سكان القطاع.
كما فقدت النساء اللواتي عانين من أمراضٍ مزمنة حقّهن في تلقي الرعاية الصحية، فطبقًا لتقرير نشره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بمناسبة اليوم العالمي للصحة في 7 إبريل/ نيسان 2024م، فإن 350 ألف مريضة ومريضٍ بأمراضٍ مزمنة في القطاع حرموا/ـن حقهم في العلاج، بينهم 71 ألف مريضة ومريضٍ بالسكر، و225 ألفًا من المصابات والمصابين بارتفاع ضغط الدم، و45 ألفًا من المصابات/بين بأمراض القلب والأوعية الدموية.
"عانت مريضات السرطان منذ بدء الحرب الإسرائيلية، من سياسة العقاب الجماعي والحرمان من حقوقهن في تلقي العلاج ما تسبب في تفاقم ظروفهن الصحية".
وقال عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا": "نعاني نقصًا شديدًا في الأدوية الخاصة بمرضى السكر مثل الأنسولين، وهي مادة تحتاج إلى تبريد وإدخالها يتطلب احتياطات كبيرة تعادل الطعوم، وما يدخل من أدويةٍ بالعموم بسيط جدًا، وهذا ينطبق على مرضى السكري في كل قطاع غزة".
أما على مستوى مريضات السرطان في القطاع، فقد عانين منذ بدء الحرب الإسرائيلية من سياسة العقاب الجماعي والحرمان من حقوقهن في تلقي العلاج ما تسبب في تفاقم ظروفهن الصحية.

ويعاني نحو 10 آلاف فلسطيني من مرض السرطان، بينهم نحو 3500 امرأة، بدأت معاناتهن باعتداء قوات الاحتلال على مستشفى الصداقة التركي الوحيد المخصص لعلاج المرض الخبيث في قطاع غزة، وخروجه تمامًا عن الخدمة منذ بداية نوفمبر/ تشرين ثاني 2023م.
وحسب تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عام 2024م حول واقع مريضات السرطان، فإن نحو 1000 حالة لم يتم كشفها، لعدم توفر الإمكانيات والقدرة على التشخيص، كما أن 10 أطباء فقط من أصل 50 طبيبًا للأورام ما زالوا يتواجدون في قطاع غزة.
وقدمت المواطنة ميرفت حسن (45 عامًا)، التي تعاني من مرض السرطان منذ 10 سنوات، إفادتها للمركز، فأكدت أنها منذ بداية الحرب أنها لم تتلقَ الأدوية الخاصة بها، ما تسبب في تراجع وضعها الصحي.
ويفترض أن تقوم السيدة بإجراء أشعة مقطعية لمنطقتي الصدر والرحم كل 6 شهور، والالتزام بأدوية خاصة، لكن خلال الحرب تراجع وضعها الصحي وتسبب في ارتجاع بالمريء، وانتفاخ وخمول بالغدة الدرقية.
"كل لحظة تمرّ عليَ محسوبة من عمري، أخشى أن تتطور الكتلة التي اكتشفتُها في الثدي، ولا أعرف حتى اللحظة إن كانت ورمًا حميدًا أم خبيثًا".
شهادة أخرى للشابة أريج الصوالحي (34 عامًا) التي كانت تحمل طفلها عوني، وتتنهّد تنهيدةً قوية قبل أن تحكي كيف حرمته كتلةٌ في ثديها من حقه في الرضاعة الطبيعية.
لا تعرف أريج ماهية هذه الكتلة، ولا تأثيرها على المديين القريب والبعيد، فهي ذاتها تعاني تبعات إغلاق معبر رفح البري واحتلاله من قبل الدبابات الإسرائيلية، وعدم قدرتها على السفر للفحص أو العلاج.
تقول بحرقة لـ"نوى": "كل لحظة تمرّ عليَ محسوبة من عمري، أخشى أن تتطور الكتلة التي اكتشفتُها في الثدي، ولا أعرف حتى اللحظة إن كانت ورمًا حميدًا أم خبيثًا. الفحص داخل القطاع معدوم، وحياتي معلقة الآن بفتح المعبر".
وتسبب إغلاق المعابر في فقدان بعض مريضات السرطان لحياتهن وفقًا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، بينهن حالة السيدة آمال أيوب (67 عامًا)، وهي من مخيم الشاطئ للاجئين، التي فقدت حياتها نتيجة عدم قدرتها على تلقي العلاج، وما زالت غيرها مهددات بفقدان حياتهن.
عانت النساء خلال النزوح من ويلات انعدام الأمان الشخصي والرعاية الصحية والخصوصية، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة مثل النساء الحوامل والمرضعات.
وتسببت الحرب الإسرائيلية في نزوح أكثر من 2 مليون مواطنة ومواطنًا من سكّان قطاع غزة، حيث أجبرت النساء على ترك بيوتهن والعيش في خيام تفتقد لكل مقومات الحياة، ضمن مناطق ضيّقة في قطاع غزة، زعم جيش الاحتلال أنها "آمنة"، رغم تعرّضها للقصف المتكرر، ما جعل الحياة أكثر رعبًا.
عانت النساء خلال النزوح من ويلات انعدام الأمان الشخصي والرعاية الصحية والخصوصية، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة مثل النساء الحوامل والمرضعات اللواتي فقدن حقهن في تلقي الرعاية الصحية المناسبة.
ووصف مصدر طبّي مطّلع لنوى العام المنصرم بـ"الأسوأ" بالنسبة للصحة الإنجابية للنساء، إذ حرصت النساء على عدم الحمل، كما لجأت شابات إلى تناول أدوية منع الحمل بغرض منع الدورة الشهرية بسبب عدم مواءمة مراكز الإيواء وأوضاع مخيمات النزوح لاحتياجاتهن خلال هذه المرحلة.
وقد ارتفعت بين النساء معدلات الإجهاض والولادة المبكّرة والولادة القيصرية، وعانت ما لا يقل عن 70% من النساء الحوامل والمرضعات من انخفاض الوزن وفقر الدم الناتج عن سوء التغذية، ونقص فيتامين (د) و(أ)، بسبب عدم قدرتهن على توفير الفواكه والخضراوات والبروتين الحيواني اللازم لهن.
وختم المصدر بأن النساء لم يحصلن على المكملات الغذائية بالشكل اللازم، "وحتى المساعدات التي توزع من خلال برنامج الغذاء العالمي، كان يفترض أن تحتوي على مدعمات، لكن 25% فقط من النساء الحوامل تمكنَّ من الحصول عليها، بينما عجزت المراكز الصحية العاملة في قطاع غزة على توفير الحديد والمكملات الغذائية بشكل مستمر للنساء".
ولم تتوقف جرائم الاحتلال عند هذا الحدّ، بل إن قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من 12 ألف مواطنٍ من قطاع غزة أثناء اجتياحها البري أو أثناء النزوح على الحواجز، من بينهم نساء وقاصرات تعرضن للتعذيب قبل أن يُفرَجَ عن الغالبية منهن.
ووثّقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في تقريرها السنوي نهاية عام 2024م، أن سلطات الاحتلال ما زالت تحتجز (89) أسيرة معلومة هويتهن، بينهن أربع أسيرات من قطاع غزة، وتشير المعطيات المتوفرة أن الاحتلال يحتجز نساءً من غزة ويمارس بحقهن جريمة الإخفاء القسري.

وقد شكلت الاعتداءات الجنسية وفقًا لتقرير الهيئة أبرز الجرائم بحق الفلسطينيات من قطاع غزة، التي تضمنت الاغتصاب والتحرش والتفتيش العاري والتهديد بالاغتصاب، عدا عن تقرير للأمم المتحدة يوثق تعرض معتقلات من قطاع غزة للاغتصاب.
كما شكّلت سياسة استخدام النساء رهائن، إحدى أبرز الجرائم التي تصاعدت خلال الحرب وشملت زوجات أسرى وشهداء وأمهات مسنّات، رافقت عمليات احتجازهن الجرائم سالفة الذكر.
وشكّل سجن (هشارون) محطة لاحتجاز الأسيرات قبل نقلهن إلى سجن (الدامون) الشاهد على عمليات التفتيش العاري، التي تعرضت لها غالبية الأسيرات وفقًا لشهادات وثقتها المؤسسات، عدا عن ظروف الاحتجاز المذلة والاعتداءات، ومنها الضرب المبرح.
"أغلب العاملات في منظمات العمل النسوي واجهن ظروف النزوح المتكرر، وانعدام الأمان الشخصي والأمن الغذائي".
العمل النسوي أيضًا كان أحد ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة، فأغلب العاملات في هذه المنظمات واجهن ظروف النزوح المتكرر، وانعدام الأمان الشخصي والأمن الغذائي.
ووفقًا للناشطة ماجدة البلبيسي التي ما زالت تقيم في مدينة غزة، فإن النساء في شمالي القطاع عانين من تفشي المجاعة، وعانت مثلهن الناشطات النسويات.

وقالت: "كنت أضطر للخروج إلى العمل سيرًا على الأقدام لمسافات طويلة، وعايشت تجربة الخطر المباشر أثناء تقديم جلسات الإسعاف النفسي الأولي للنساء في مراكز الإيواء، كما عانيت وغيري من النسويات من النزوح المتكرر نتيجة العدوان البري الإسرائيلي".
وكما غيرها من العاملات في المنظمات النسوية، تنقّلت بين مراكز الإيواء سيرًا على الأقدام، بسبب قصف الشوارع وعدم وجود سيارات، واستعانت في كثير من الأحيان بعربة كارو للوصول إلى وجهتها. تعقّب: "كنت أعاني صعوبة في المشي بسبب المجاعة التي أثّرت على وضعي الصحي".
"المنظمات النسوية تكبدت دفع إيجارات باهظة وفقدت العديد منها بياناتها المتعلقة بالمستفيدات".
وكان مركز شؤون المرأة عقد مؤخرًا ورشة عمل عبر تطبيق "زوم"، تحت عنوان "تداعيات الحرب على عمل المؤسسات"، أكدت خلالها آمال صيام مديرة مركز شؤون المرأة أن المؤسسات النسوية تعرضت للضرر الجزئي والكلي، والقليل منها لم تتعرض للضرر.
وأشارت إلى أن المنظمات النسوية تكبدت دفع إيجارات باهظة وفقدت العديد منها بياناتها المتعلقة بالمستفيدات، وهو ما عقّد عمل المنظمات التي لم تعد تعمل بكامل طاقمها نتيجة الإصابات والاستشهاد والنزوح، أو حتى الانتقال للعمل مع منظمات دولية وسّعت عملها خلال حرب الإبادة.
























