غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ولاء، شريكة العقل والروح، صديقتي الملهمة التي علمتني معنى الحياة، وجعلتني أرى في كل زاوية أملًا، وفي كل لحظة فرصة.. رحلت بغمضة عين، وتركتني أحترق بوجع الفقد وحيدة"، هكذا بدأت ندى أبو مدين، نعي صديقتها المقربة، الشهيدة ولاء الإفرنجي.
تقول بحرقة: "كانت ولاء بمثابة النور في حياة كل من عرفها".
جمع ندى بولاء قبل أكثر من 12 عامًا، لقاء في نادٍ ثقافي لمناقشة بعض الكتب، "ومنذ اللحظة الأولى شعرت أن حياتي ستتغير للأفضل، ولاء لم تكن مجرد صديقة، بل كانت مرشدة ترى العالم بعيون ملؤها الأمل، وتمنحني القوة لتجاوز كل شيء".
"أتمنى أن أغيب عن هذا العالم وتشرق سيرتي، يتذكرني أناس عاديون، كإنسان عادي كان يلقي التحية على الجيران والطرقات والقطط".
ولاء كانت تؤمن أن العظمة تكمن في البساطة والإنسانية، وقد عبّرت عن ذلك في ما كتبته من نصوص، ومن بينها: "أتمنى أن أغيب عن هذا العالم وتشرق سيرتي، يتذكرني أناس عاديون، كإنسان عادي كان يلقي التحية على الجيران والطرقات والقطط، إنسان عادي بالقدر الذي لا يؤذي أحدًا، أن أكون ذا أثر، مجرد إنسان يحمل على كتفيه البشر والاحترام".
هذه الكلمات لم تكن مجرد أحلام كتبتها ولاء على الورق، بل كانت انعكاسًا لطبيعتها على الأرض، فهي لم تترك أثرًا في قلوب من عرفوها فقط، بل تركت بصمتها في كل مكان مرت به.
نشأت ولاء في كنف عائلة ودودة، كانت مصدر حب وإلهام لا ينضب. كان منزلها ينبض بالمحبة والاحترام المتبادل، حيث شكّلت علاقتها بأفراد أسرتها نموذجًا فريدًا للتآزر والدفء العائلي. تصف ندى ذلك قائلة: "كانت ولاء تملأ المنزل بالحب والأمل. تبث طاقة إيجابية في كل ركن، وكأنها الروح التي تنبض في حياة الجميع".
في عام 2014م، وبعد الحرب الإسرائيلية على غزة، قرّرت ولاء وندى أن تصنعا شيئًا يترك أثرًا في عالمهما الصغير، فأصدرتا كتابًا حمل عنوان "مزاج مرسل" في عام 2015م.
الكتاب لم يكن مجرد حروف، بل رسالة تعكس صمود الفلسطينيين وأحلامهم. "الكتابة مع ولاء كانت تجربة تحول الحزن إلى نور"، تصف ندى التجربة.
لم تقتصر موهبة ولاء على الكتابة، فقد امتلكت قدرة فريدة على تحويل الجماد إلى رسائل نابضة بالحياة، وكانت تجمع الحجارة وصدف البحر وقطع الخشب، وتحولها إلى فن ينبض بالعاطفة والمعاني العميقة، ولم يكن غريبًا عليها أن تُعرف بـ"الفتاة التي أنطقت الحجارة".
في المعارض المحلية، كانت زاويتها الأبرز دومًا. ينجذب الزوار إليها، يبحثون عن كلمات تعكس آمالهم وأحلامهم، ولم تخيّب ولاء آمالهم أبدًا، كانت تُعطيهم كلماتٍ تحملُ جزءًا من أرواحهم، تاركة أثرًا لا يُنسى.
تخرجت ولاء، من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بمعدل امتياز من جامعة الأزهر، وعملت كمعلمةٍ في المدارس، وبأسلوبها الفريد، استطاعت أن تُلهم طلابها، وتغرس فيهم حب الحياة والدراسة.
تضيف ندى : "كانت ولاء تزرع في قلوب الجميع الأمل، حتى في أصعب اللحظات."
برغم نجاحها الباهر في مجال التعليم، قررت أن تلحق شغفها وتحقق أحلامها، وأن تؤسس لمشروعها الخاص، وتنتقل إلى عالم ريادة الأعمال.
لم تكتفِ بالإسهام في تحسين حياة طلبتها فقط، بل سعت لإلهام الآخرين خارج أسوار الفصل الدراسي أيضًا.
بالتعاون مع شريكها محمد النخالة، أسست ولاء شركة "سربرايز" للهدايا، التي أتاحت الفرصة للشباب المبدعين لعرض وتسويق أعمالهم، وكان مشروعها رسالة دعم وتحفيز لجيل جديد يربط الطموحات بالفرص.

في مايو 2023م، تزوجت ولاء من أحمد سلام، شريكها في العقل والروح، فكان زواجهما مثالًا للتفاهم والحب المتين. عاشا حياة سعيدة مليئة بالأحلام المشتركة واللحظات المميزة، بنيا مستقبلهما جنبًا إلى جنب، تصف ندى علاقتهما قائلة: "كانا كالنجمين في السماء، لا يفترقان، يضيئان الطريق ببريق حبهما الذي لا ينطفئ".
ولكن الفرحة لم تدم طويلًا، فقبل أسبوع، استُشهِدَت ولاء وزوجها أحمد، إثر غارةٍ إسرائيليةٍ على مخيم النصيرات، تاركين خلفهما فراغًا لا يُملأ. "خبر استشهادها كان كالصاعقة، شعرتُ وكأن العالم فقد جزءًا من نوره، ولاء لم تكن مجرد صديقة، كانت روحًا أضاءت حياتنا جميعًا". تختم ندى بحزن.
رغم رحيلها، بقيت ولاء رمزًا للمرأة الفلسطينية التي رفضت أن تكون ضحية، وصممت أن تكون مصدر قوة وأمل، وكانت ترى أن الأثر الحقيقي للإنسان ليس فيما يتركه من أشياء مادية، بل فيما يتركه من قلوب نابضة بالحياة، تتذكره وتدعو له بالخير كل مرة.
























