شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 14 مايو 2026م01:13 بتوقيت القدس

نيفين الدواوسة..

"مسعفةٌ" تحت النار.. جسدٌ ينزف وقلبٌ "لا يخون"

25 ديسمبر 2024 - 04:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"وكأن الموت يلاحقنا في كل لحظة" قالتها نيفين الدواوسة بأسى، وسكتت.

عادت بذاكرتها إلى زحمة مشاهد "الموت" التي تلاحقها في كل لحظة. مشاهد معبأة برائحة الدم ورماد القصف.. يصدح فيها أنين الأطفال الذين ينادون "النجدة" تحت أنقاض بيوتهم المقصوفة.

نيفين، الممرضة بمركز إسعاف شمالي قطاع غزة، لم تبرح مكانها في مخيم جباليا طوال أشهر الحرب إلا مجبرة! لكنها في مدينة غزة باقية، "حتى تضع الحرب أوزارها، أو يكتب الله لي الشهادة" تضيف.

بدأت الحكاية، في أول أيام الحرب التي شنتها "إسرائيل" على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، عندما كانت الشابة العشرينية تعيش مع عائلتها الكبيرة، في بنايةٍ مكونة من خمس طوابق شمالي القطاع. "80 شخصًا ما بين أخوات، وأعمام، وزوجات أعمام وأطفال. بيتنا كان يضج بالحياة، لكن كل شيء فجأة صمت.. كل شيء تحول إلى ركام" تخبرنا بحرقة.

في الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر للعام الماضي، تلقت نيفين خبر استهداف منزلها أثناء تواجدها بمستشفى كمال عدوان، لتجد عند وصولها ما لا يمكن تصوره. تصف المشهد بقولها: "أجزاء من أجساد أفراد عائلتي كانت مبعثرة في الأزقة والشوارع المحيطة.. أكثر من ٦٠ شهيدًا سقطوا في ضربةٍ إسرائيلية وحشية.. كلهم رحلوا مرة واحدة".

منذ تلك اللحظة لم يعد لديها مكان تعود إليه، فقررت البقاء في المستشفى، حيث واجهت اقتحام قوات الاحتلال في كانون الأول/ ديسمبر 2023م، وعاشت في صلب المجاعة.

تحكي: "قصفوا باب المستشفى الخلفي، وقتلوا زميلتي آية الجبل أمام ناظِري. شعرت باقتراب أجلي، وقررتُ أن أستمر حتى يكتب الله النهاية التي يريد".

رحلة نزوح لا تنتهي

بعد قصف المستشفى، وجدت نيفين مأوى مؤقتًا لدى عائلة أبو العيش في مدينة جباليا، إلا أن ذلك الاستقرار لم يدم طويلًا. تعرض المنزل أيضًا للقصف، وانتُشلت من تحت أنقاضه مصابة برضوض، من بين أكثر من 30 شهيدًا من أهله.

في مارس 2024م، بدأت مرحلة جديدة من الهجوم الإسرائيلي على شمال القطاع، حيث أعلنت قوات الاحتلال خطة تهجيرٍ جديدة عبر توزيع منشورات وأوامر شفهية بالإخلاء. "كانوا يقولون لنا: امشوا جنوبًا عبر شارع صلاح الدين، لكن الطريق كان كله كمائن وموت.. حتى الممرات التي يسمونها آمنة، كانت تزدحم بالجثث المتحللة".

بعد انسحاب القوات من شمالي غزة في أبريل 2024م، لجأت نيفين إلى إحدى المدارس بمخيم جباليا، وهناك كانت تعمل في نقطة طبية تخدم مئات العائلات النازحة. تروي: "الوضع كان مأساويًا، أكثر من ٣٠ شخصًا في كل فصل، المياه شبه معدومة، والطعام بالكاد يكفي لوجبة في اليوم.. أما ليلًا فكأن الموت يتجول فوق رؤوسنا على هيئة طائرات كواد كابتر".

في المدرسة أيضًا لم يدُم حال "نيفين"، ففي السادس من أكتوبر الماضي، قُصف بئر الماء الرئيس في المدرسة، الأمر الذي فاقم الأوضاع سوءًا. "رغم ذلك، بقيتُ أقدم الإسعافات الأولية للنازحين بحقيبة صغيرة" تكمل.

كانت نيفين في كل يوم تستيقظ وتقنع نفسها "لازم أظل عايشة عشان أساعد الناس"، لكنها لم تكن تعلم أنها ستكون هناك شاهدًا على مأساةٍ مروعة.

تقول: "قصفت القوات الإسرائيلية مدارس أبو حسين، المجاورة للمدرسة التي كنا فيها. سمعت صرخات الناس، وركضت بكل طاقتي للمكان. كان المشهد مرعبًا: جثث ومصابين على بوابة مركز الإيواء، والكثير من الصراخ والبكاء. حاولتُ المساعدة، لكن كل شيء كان أكبر من طاقتي، بينما الإمكانيات المتوفرة لدي تقريبًا صفر".

في اليوم التالي، تعرضت المدرسة التي تقطن فيها نيفين نفسها للقصف المباشر، فأصيبت بشظايا في رأسها وصدرها، ورغم ذلك رفضت النزوح أو التخلي عن دورها هناك.

تكمل: "كنت أشوف المصابين يستشهدوا قدامي وهم بينزفوا.. حسيت إنه ما عندي خيار غير أبقى وأساعد حتى النفس الأخير، مهما كلفني الأمر".

بعدها بأيام، كانت تسير في الشارع برفقة زميلةٍ لها في محاولةٍ لتقديم المساعدة لإحدى العائلات، فإذا باستهدافٍ للمحيط الذي تسيران فيه يفاجئهما، ويصيب نيفين بشظيةٍ أخرى في صدرها.

تصف الشابة واقع الحال بقولها: "ما في مكان آمن في مخيم جباليا.. كُنا كلنا مُستهدَفين، والرصاص والموت حوالينا بكل لحظة". في ذلك الوقت كانت نيفين لا تزال تقيم في المدرسة، قبل أن تبدأ طائرات الاحتلال المسيرة بمناداة النازحين فيها للإخلاء خلال ساعة.

تحكي لنا: "بينما كان النازحون يتجهزون للخروج، انهمرت القذائف وسط الساحة كالمطر. لم تمر خمس دقائق على مناداة الاخلاء، وإذا بالمكان يتحول لبحر دم.. الناس تصرخ، أطفال مبتورة أطرافهم، وركام بكل مكان".

رفضت نيفين ترك المدرسة، وقالت بانفعال: "كانوا كل الناس يركضوا باتجاه البوابة، لكن أنا ما قدرت أترك الناس.. حسيت للحظة إني لو تركتهم بخون واجبي، وبقيت لآخر لحظة".

وبينما كانت كذلك، رصدتها طائرة استطلاع، فقصفت بالقرب منها صاروخًا مباشرًا، تسببت شظاياه بتشقق في جمجمتها وشظايا أخرى، استقرت في ساقيها.

تكمل ودموعها تسبقها: "شعرتُ بأن الأرض تدور بي. نزفتُ، وكان وجعي لا يوصف، بينما الرصاص ينهمر كالمطر على البوابة، وكأنهم كانوا يريدون أن يجهزوا على كل من بقي حيًا في المكان".

طريق الموت إلى مدينة غزة

بعد قصف المدرسة، وإصابتها البليغة، بدأت نيفين وحيدةً رحلة نزوح أخرى باتجاه مدينة غزة. تصف الشوارع آنذاك بالقول: "كانت مليانة جثث.. شفت أم وطفلين، الأم وابنها كانوا ميتين، والبنت الصغيرة كانت تصرخ ومصابة، ساعدتها بإسعافات أولية، وحملتها رغم إصابتي، ومشيت حتى سلمتها لأحد النازحين على الطريق؛ لينقلها إلى أقرب مشفى أو عيادة".

"لا أشعر بأنني نجوت. فقدتُ كل شيء، وما زلت محاصرة بالخوف والموت والجوع (..) هذه الحرب لم تدمر بيوتنا وحسب. دمرت أرواحنا أيضًا".

طوال الطريق، كانت القوات الإسرائيلية تعتقل العابرين عشوائيًا، وتفرّق النساء عن الرجال. كانت نيفين تمشي وسط مئات المواطنين.. "الكل خائف، والجنود يعتقلون من يريدون بشكل مزاجي وعشوائي".

تركت نيفين جباليا قبل أسابيع قليلة مجبرة، لتعيش في مدينة غزة، وتحاول مواصلة رسالتها قدر الإمكان. تقول: "لا أشعر بأنني نجوت. فقدتُ كل شيء، وما زلت محاصرة بالخوف والموت والجوع"، متابعةً بأسى: "هذه الحرب لم تدمر بيوتنا وحسب. دمرت أرواحنا، نحن ننتظر أن تنتهي كي نأخذ وقتنا في الحزن لا أكثر".

كاريكاتـــــير