غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"وكأنه حلم وتبخّر" تقول فاطمة الضابوس (42 عامًا) لـ"نوى"، واصفةً الانتكاسة التي أصابت مشروعها الصغير "الذي أنجبته الحرب"، بعد شهرين فقط على انطلاقه.
اشترت فاطمة بكل ما تملكه من مال، فرن طين، وبعض الحطب، وكيس دقيق، وبدأت بصنع الخبز، وبيعه للنازحين في المخيم الذي تقيم فيه حاليًا بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة.
فاطمة، التي نزحت من شمالي القطاع، بعد اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول من العام الثاني، كانت تهدف من خلال مشروعها إلى إيجاد فرصة دخل، تنفق منها على نفسها، وعلى ابن شقيقها الذي تكفلت به بعد استشهاد والده وتفكك أسرته.

"كل هذا ذهب أدراج الرياح" تضيف السيدة بحسرة، بعدما انقطع الدقيق، ومنعت دولة الاحتلال دخول شاحنات المساعدات إلى القطاع منذ أشهر طويلة، إلا عبر مؤسسات دولية، وبكميات قليلة للغاية.
وتتابع: "حاولت استثمار مهارتي في الطهي وخَبز العجين، لكن أزمة الدقيق جاءت، وأغلقت في وجهي كل أبواب الرزق".
ولم تدُس ظروف الحرب على أحلام فاطمة وحسب، بل اغتالت العديد من البدايات، تحت وطأة القصف والإغلاق. ولاء الزويدي (25 عامًا) أيضًا، التي كانت ترى في صناعة المعجنات وبيعها للنازحين في المدرسة التي تقيم فيها حاليًا، فرصةً لتوفير حياةٍ كريمة، لأطفالها الأربعة، التي اضطرت لأن تكون لهم أمًا وأبًا في آن، بسبب مرض والدهم، وعجزه عن العمل –وفق حديثها لـ"نوى".
وعن سؤالها عن حالها مع أزمة الدقيق ردّت: "كيف لي أن أصنع المعجنات للناس وأنا لا أجد كسرة خبز تكفي أطفالي في ظل هذه المجاعة؟"، متحدثةً عن أسعارٍ "فلكية" لكيلو الدقيق اليوم، "وإن وُجد فإن معظمه فاسد، ومليء بالدود والسوس، أو مغشوش بالرمال ومواد أخرى" تزيد.
تنتظر ولاء بفارغ الصبر انتظام دخول الدقيق إلى قطاع غزة، وحصولها على حصة بسعر منطقي –على الأقل- كي تتمكن من فتح أبواب مشروعها من جديد.
ولا يفتأ مارٌ بالصف الذي تسكن فيه أم علي، في إحدى مدارس دير البلح، يسألها: "في مفتول يا أم علي؟ معداتنا تعبت من المعلبات"، ثم يمضي وقد عرف من صمتها الجواب.
سهاد أبو عمشة (52 عامًا) التي نزحت من مدينة بيت حانون، شمالي قطاع غزة، كانت تستيقظ من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل؛ لتصنع المفتول وتبيعه للزبائن، قبل أن تتسبب أزمة الطحين في إغلاق المشروع.
تجلس اليوم غارقةً في حيرتها، "ماذا يمكن أن أفعل، وأساس مشروعي (الطحين) غير موجود؟" تتساءل.
وتصف عملها قبل انقطاع الدقيق بالقول: "كان الناس يعتصمون أمام صفي، ويطلبو المفتول بالكيلو. اليوم أنا لا أملك أي مقومات للعمل، ولا حتى مالًا أوفر به الدقيق الذي يباع بأسعار غير منطقية الآن في الأسواق".
أما عن السيدات اللواتي كُن يعاونَّها في المشروع، فقد أصبحن أيضًا بلا مصدر رزق.
سعر كيس دقيق واحد يزن 25 كيلوغرامًا في دير البلح، وسط القطاع، يصل إلى ما يعادل 280 دولارًا أمريكيًا.
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، فإن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع يواجه عراقيل كبيرة منذ مطلع أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
وأشار المكتب في بيانٍ إلى أن شركاء الأمم المتحدة، الذين يعملون على مكافحة الجوع في غزة، نبهوا إلى أنه في الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري، كان سعر كيس دقيق واحد يزن 25 كيلوغرامًا في دير البلح، وسط القطاع، يصل إلى ما يعادل 280 دولارًا أمريكيًا، وهذا نتيجة النقص الحاد في الإمدادات.
أما في خان يونس، جنوبًـا، فوصل سعر كيس الدقيق إلى ما يعادل 245 دولارًا، وفقًا لما ذكره المكتب، الذي شدد على أن الدخول الفوري، والمنتظم، لمزيد من الإمدادات الغذائية إلى غزة أمر بالغ الأهمية لمعالجة أزمة الجوع المتفاقمة في جميع أنحاء القطاع.
وبحسب "أوتشا" فإن 80% من مناطق القطاع أصبحت عالية الخطورة، "في حين أصبحت عملية إيصال القليل من المساعدات -التي يسمح بدخولها- معقدة للغاية، بما في ذلك بسبب الطرق غير الآمنة".
























