شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مايو 2026م03:19 بتوقيت القدس

يزن العجل..

شهيدٌ لا تعرفُ أمه أين دُفن: "قلبي سيدلني"

08 ديسمبر 2024 - 10:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن "منى" على علمٍ بأن الثاني عشر من فبراير/ شباط الماضي، سيغدو تاريخًا يلاحقها ليخنقها بلا هوادة. لم تكن تعلم أنها ستفقد فيه مهجة قلبها.. صديقها وكاتم أسرارها، ابنها وحبيبها "يزن".

"ليس فقدًا وحسب، أنا حتى لا أعرف أين استشهد بالضبط؟ ماذا حدث معه آنذاك؟ لا أدري لقبره طريقًا، وهل أكرم مارٌ جثته بالدفن أصلًا أو لا" تقول لـ"نوى".

في ذلك التاريخ، وفي تمام الساعة الخامسة فجرًا، خرج يزن العجل برفقة اثنين من أصدقائه النازحين في مدينة الزهراء، جنوبي مدينة غزة، بدون علم والدته. خرج وتركها تعيش تسعة أيامٍ من العذاب في انتظار أي خبرٍ يشفي نزف قهرها.

تخبرنا: "بحثتُ عنه في المستشفيات، في أزقة أقسام الطوارئ، وحتى في ثلاجات الموتى، حتى جاءني الخبر اليقين. يزن استشهد، هذا ما وصلني من صديقه الذين كان معه، وكتب الله له النجاة بعد أيامٍ طويلة قضاها في العناية المركزة".

عندما نزحت عائلة يزن (18 عامًا) من مدينة غزة، عاشت ظروفًا صعبة. تتذكر أمه وجوده كسند في تلك المرحلة، كانت بالفعل تتكئ على صبره كلما خارت قواها، وتدفن في صدره وجهها وتبكي عندما تضيق الدنيا على حزنها، وفق ما تصف.

"ما يجعلني مهتمة بسرد حكايته، هو أنني أمثل مئات الأمهات، اللواتي فقدن أبناءهن الذين قدمن لهم نور عيونهن كي يكبروا، وبنين أحلامهن الكبيرة ليكونوا فيها أبطالًا.. مهندسين، وأطباء، وشرطيين ومحامين وغير ذلك" تضيف، وتتابع: "كان يزن يحب الهندسة، وكنتُ أراه مهندسًا مبدعًا لا محالة. لا أستطيع أن أتخيله إلا بخوذة المهندسين الصفراء، وفي يده خريطة. هذا كله انهار، وذهب الحلم أدراج الرياح.. تمامًا إلى حيث غادرني يزن".

كان يزن طالب توجيهي (ثانوية عامة)، يسعى للتفوق، ويتحدث عنه كثيرًا. كان له حضور قوي في كل الأوقات، وفي أحلك الظروف. تزيد أمه: "في يوم ميلادي، وبينما كنت أغلق أذني بيدي عن صوت القصف تقدّم نحوي، وأعطاني المال هدية. قلتُ له إنني أريد فقط أن يبقى بخير، وأخبرته أنني سأحتفظ بالمبلغ، وأشتري شيئًا جميلًا عندما نعود إلى بيتنا بغزة".

"المبلغ ما زال معي، رغم استسلامي لفكرة أن يزن استشهد. وسأوفي بما عاهدته به. ستكون هذه الهدية من يزن. هدية لن أفرط بها ما حييت".

وتردف: "المبلغ ما زال معي، رغم استسلامي لفكرة أن يزن استشهد. وسأوفي بما عاهدته به. ستكون هذه الهدية من يزن. هدية لن أفرط بها ما حييت".

أخبر أصدقاء يزن أمه المكلومة أنه ترك وصيةً صغيرة كتبها في رسالة، وطلب منهم أن ينشروها مع صورته، ويدعوا له. "لا تبكوا علي، وتحدثوا عني.. اذكروا محاسني، وادعوا لي فأنا أحبكم جميعًا".

تعلق أمه النازحة حاليًا في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة بقولها: "أعرفُ أنه تحت الأنقاض، أو قد تم تجريفه، لكن قلبي سيظل يحمل صورته الجميلة الضاحكة إلى الأبد".

تنتظر منى انتهاء الحرب بفارغ الصبر. "أنتظر اللحظة التي يقولون فيها إن الطريق فتحت نحو شمالي الوادي، لأذهب إلى حيث أخبروني أنه استشهد. سأذهب إلى هناك، وأعرفه مهما مر وقت، فطيفه لن يخذلني.. قلبي لن يخذلني أبدًا".

كاريكاتـــــير