غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تتبادل الشابتان (ريهام) و(أفنان) المواساة، وسط واقعٍ صعبٍ اضطرتهما الحرب لاختباره بشكلٍ متشابه، وإن كان في خيمتين منفصلتين.
حول خيمتيهما يحوم الخوف، ويشتد الظلام في ظل غياب من يفترض أنه عمود الأسرة: "الأب". هجر زوجاهما العائلة، وسافرا طلبًا للنجاة قبل إغلاق معبر رفح، تارِكَين خلفهما "شريكَتَي العمر" والأبناء، يعانون ويلات الحرب والجوع والحصار!
بحسرةٍ تنظر ريهام (33 عامًا) إلى أطفالها الثلاثة، محاولةً باستماتة إسكات جوعهم، عبر ما جلبته من طعامٍ توفّره تكية قريبة من مخيم النازحين الذي أقامت داخله خيمتها، بمنطقة مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة.
تقول ريهام: "لم تكن حياتي سهلة قبل الحرب، زوجي كان سجينًا على خلفية ذمم مالية، كما أنه محكوم بقضية تسليم مخدرات لأحد التجار، ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، أفرج عنه وعاد إلى البيت".
"فوجئت بسفره عبر معبر رفح قبل اجتياحه وإغلاقه. قال إنه سينسق لي وللأولاد كي نلحق به، لكن هذا لم يحدث".
عاد الزوج ولكن محملًا بكل بؤس محكوميته، الزوجة التي لطالما عانت من تبعات تعاطيه للمخدرات، لم تجد أمامها سواه رفيقًا في هذا الظرف الاستثنائي. نزحت معه من بيتهم إلى خيمةٍ في مدينة رفح، وهناك تحمّلت كل تبعات النزوح من تعبئة المياه وإشعال النار وكل المهام الشاقّة.
تضيف: "فوجئت بسفره عبر معبر رفح قبل اجتياحه وإغلاقه. قال إنه سينسق لي وللأولاد كي نلحق به، لكن هذا لم يحدث. لم يكن معي إلا القليل من المال، وبالكاد تمكنت من الوصول إلى منطقةٍ آمنة بعد اجتياح المدينة الجنوبية".
تعيش ريهام وحدها حالة من الخوف والرعب، بعدما تحملت تبعات النزوح ومرض الأولاد نتيجة قلة الطعام وقلة النظافة، لكن أكثر ما يضايق الشابة التي ظهرت على وجهها الشاحب آثار سوء التغذية، هو التعنيف المستمر الذي تلاقيه من زوجها كلما اتصل بها من الخارج، متجاهلًا الحالة النفسية السيئة التي تمر بها نتيجة شعورها الدائم بالخوف والوحدة ومسؤوليتها تجاه أطفالها الثلاثة.
"فاجأني خلال شهر مارس بخبر سفره، اتصل بي وقال: أنا في المعبر، خلي بالك من الأولاد".
مثلها أفنان (32 عامًا)، الأم لطفلين، التي تعيش الآن في خيمةٍ برفقة أمها وإخوتها بعدما تركها زوجها وحيدة تصارع الحرب وتبعات النزوح.
تقول لـ"نوى": "فاجأني خلال شهر مارس بخبر سفره، اتصل بي وقال: أنا في المعبر، خلي بالك من الأولاد".
تصف وضعها آنذاك بالقول: "دارت بي الدنيا، ولم أعرف ماذا أفعل؟! لقد تركني وحدي بعد كل المعاناة التي عشتها معه".
وبالعودة لتفاصيل قصة أفنان، فالشابة تعاني أصلًا من العنف الأسري، حيث أنجبت طفلة وكانت حاملًا بطفلها الثاني حين اندلعت الحرب، ورغم تعنيفه الدائم لها، ونيته المبيتة بالخلاص وحده، إلا أنه رفض بشراسة نزوحها برفقة أهلها، رغم حاجتها لوجود والديها معها بسبب الحمل.
تجلس أفنان اليوم وسط الخيمة التي لا خصوصية فيها نتيجة العدد الكبير ممن تضمهم، وتندب سنوات عمرها التي سُلبت منها. تقول: "حين نزحتُ من بيتي شرقي قطاع غزة منذ بداية الحرب، إلى مدرسة في مدينة رفح، كنت في حاجة ماسّة للرعاية والتغذية، لكن زوجي حرمني من التواصل مع أمي رغم وجودنا بنفس المدرسة".
وتكمل: "في يوم ولادتي فاجأني المخاض ليلًا، تركني أذهب مع أمي برفقة سائق تطوّع بإيصالنا للمستشفى، ورفض هو المخاطرة والحضور معنا. وضعت ُطفلي بولادة قيصرية، وكانت هذه مفاجأة لي".
أكثر ما يؤلم أفنان الآن، هو اضطرارها لتحمّل الكثير من المعاناة بعد الولادة، فوحدها كانت تقوم بكافة الأعمال المنزلية، وبعد كل هذا فوجئت بزوجها يخبرها بسفره وتركها وحيدة!
اضطرت الشابة لحمل طفليها والنزوح مع أهلها من مدينة رفح صوب مواصي خانيونس عندما اقتحم الاحتلال المدينة الحدودية، "وبرغم وجودي مع أمي وإخوتي، إلا أنني أشعر بالخوف والقلق الدائم. تجمّعت فوق قلبي مأساة الحرب ومسؤوليتي تجاه أطفالي، خاصة ابني الذي يعاني من مشكلة صحية، وبحاجة ماسة لنفقات علاج، وما زال بحاجة إلى الحليب والحفاضات التي عجزت عن توفيرها له" تعقب.
بين خيمتي ريهام وأفنان مسافة قصيرة تتكدس فيها الخيام، لكن كل شيءٍ بينهما مشترك. نفس المعاناة في رعاية أطفالهن وحدهن، في ظل تخلي الزوجين عن المسؤولية. بضحكةٍ مرة تحكي ريهام كيف تعلمت إشعال نار الحطب، والوقوف في تكايا الطعام، بينما تسرد أفنان حكايات طويلة عن طوابير الحمام وتعبئة المياه. لقد صنعت الحرب منهما نساءً من طرازٍ مختلف، بدون رجل، وتحت الإبادة.
























