غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على طاولة خشبية صغيرة، وداخل خيمةٍ صنعها من بعض الأقمشة البالية، يقطن "عبد الصمد جمعة" (16 عامًا).
يضع أمامه أقلامه ودفاتره وهاتفه المحمول، ويبدأ رحلة الدراسة اليومية في مدرسته الافتراضية الخاصة بطلبة قطاع غزة.
يقطعه صوت المعلم عن رحلته إلى الماضي بين فينةٍ وأخرى. يصحو من شروده، فينظر حوله، ويسأل نفسه: كيف وصلت إلى هنا؟ كيف جرفني الجوع من جباليا شمالًا بحثًا عن الطعام، لأجد نفسي فجأةً في عز وطأة الإبادة بالجنوب وحدي؟ دونما سند ولا أهل ولا قوة.
عبد الصمد، المتفوق الذكي، ابن الصف العاشر، الذي حصل في العام السابق للحرب على معدل 99.4% له قصة عجيبة، يخبرنا: "عندما اشتدت المجاعة في مارس/آذار الماضي، لم يكن لدينا ما نأكله. أكلنا كل ما يمكنكم أن تتخيلوه من شعير وطعام طيور وغير ذلك حتى نفدت جميعها".
لم يعد أمام عبد الصمد خيار، إلا التوجه إلى دوار الكويت! رغم رفض والده الدائم اتخذ قراره، وقصد المكان برفقة عدد من صحبه، لعلهم يحصلون على بعض الطحين من الشاحنات المارة من هناك، لكنه لم يتوقع أبدًا أن مغامرةً كهذه، ستكلفه أشهر طويلة من البعد والفقد والحنين والقلق على حال الأهل والأحبة هناك.
يقول: "فجأة حاصرت قوات الاحتلال جموع الجائعين الباحثين عن لقمة عيش تسكت أنين أمعائهم الخاوية، وأطلقت النار. قُتل من قُتل وأصيب من أصيب، ثم أُجبر الباقون كلهم على النزوح جنوبًا".
يحدثنا عبد الصمد: "ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة مروعة بحق المتواجدين عند دوار الكويت، وقد نجونا بأعجوبة. مشيتُ مسافةً طويلةً للغاية على غير هدى خلف أسراب النازحين المُجبرين، وبدأتُ أفكر: "وين ممكن أروح؟".
لم تكن هناك إلا إجابة واحدة، إلى حيث تسكن الآن أخته من أبيه، التي سبقته برفقة زوجها وأطفالها إلى خيمة في مواصي خانيونس جنوبي القطاع، في الثالث عشر من أكتوبر 2023م.
كان من الصعب للغاية تقبل الأب الفكرة. وبرغم غضبه من مخالفة ابنه أوامره، وذهابه لدوار الكويت حيث تمر شاحنات المساعدات، إلا أنه رضح للأمر الواقع. "لم يكن أمامه سوى هذا الخيار. هو يعرف تمامًا أنني فعلت ذلك من أجل مساندة الأسرة، ومحاولة سد جوع أشقائي وأمي".
مسؤولية مبكرة
وجد عبد الصمد نفسه كبيرًا فجأة. مسؤولًا عن نفسه فجأة، فتوجه للعمل في "بسطة" خاصة بالبهارات والتوابل، كونه يحتاج المال لينفق على نفسه، خاصة أنه يحتاج لشراء بطاقات الإنترنت وشحن هاتفه المحمول بشكل يومي.
يعقب: "ما بحب أشتغل. أنا شايف إنه شهادتي ودراستي أهم، وبطمح لدراسة الطب. لكن حتى ذلك الحين، العمل صار فرضًا وليس خيارًا".
يلتزم عبد الصمد بحضور حصص التعلم عن بعد في المدارس الافتراضية، رغم عدم توفر شبكة إنترنت في المنطقة التي نزح إليها، ويشرح ذلك بالقول: "أضطر للذهاب إلى منطقة قريبة من البحر وأبقى هناك حتى وقت متأخر من الليل من أجل التقاط إشارة الإنترنت والانضمام إلى الحصص اليومية".
"لا أحد يستطيع تعويض الإنسان عن أهله. كان تفكيرنا أننا سنبقى مع بعضنا البعض سواءً كتب الله لنا النجاة، أو متنا.. أن نموت معًا".
أكثر ما يؤلم عبد الصمد اليوم بعده عن أهله، "فلا أحد يستطيع تعويض الإنسان عنهم. كان تفكيرنا أننا سنبقى مع بعضنا البعض سواءً كتب الله لنا النجاة، أو متنا.. أن نموت معًا".
جدير بالذكر أن عبد الصمد فقد والدته شهيدة وهو رضيع يبلغ من العمر (100) يوم، وذلك خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008م، فنشأ يتيم الأم ترعاه عمته وأخته الكبرى.
"وكأن شعور اليُتم لدي يتجدد هذه المرة ببعدي عن أهلي كافة" يقول، مردفًا بحرقة: "أهلي ما زالوا محاصرين في جباليا. أوضاعهم صعبة، وظروفهم قاهرة، وأنا مش عارف كيف ممكن أطئمن عليهم". يسكت طويلًا ثم يختم بقهر: "بتمنى لو كنت معهم".
























