غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
الخطوة الأولى للطفل، لحظةٌ يستقبلها الأهل بالتهليل والتصفيق، تبدأ بعدها محاولات تعليمه المشي، كي يغدو قادرًا على التنقل متكئًا على قدميه، في أنحاء البيت، وخارجه. في غزة، وأمام الواقع الجديد للسكان هناك، تنكسر فرحة هذه المرحلة بمخاوف كبيرة، يُجبر معها الأهل على تقييد حركة أطفالهم، بدلًا من فعل العكس.
هذه القيود، واحدةٌ من تفاصيل كثيرة يعيشها أطفال لم يعرفوا البيوت، تفتّحت أعينهم على الحياة داخل الخيمة، فتشكل وعيهم بما يتناسب مع هذا الواقع. لم يجربوا حياة المنزل، ولم يتعرفوا على مكوّناته المادّية، من جدران، وأثاث وغرف منفصلة. لم يعرفوا معنى الخصوصية، أو وجود محيطٍ مكاني، تجلس فيه الأسرة وتقضي أوقات السمر.

في منتصف الليل!
وُلدت روز ذات السنة والنصف في بيتٍ دافئ، لأبوين خططا طويلًا لأجل مستقبلها ومستقبل أخواتها، لكنها اليوم تطير سعادة عندما تعرف أن خالها سيأخذها إلى بيت أحد معارفه، فهناك سترى الجدران التي تسرق نظرها، وستقفز فرحًا وقدميها تلامسان البلاط، حيث الأرض الصلبة التي لا تشبه رمل المخيم.
تقول أمها ولاء الجمل: "حُرمت ابنتي من كل ما قدمتُه لأخواتها، حتى قدرتي على تربيتها، أنا لم أكن أسمح لأخواتها باللعب في الشارع، لكنني سمحت لها بسبب الملل وانعدام وسائل الترفيه هنا".
وتضيف: "عوّدت بناتي على غسل أيديهن وأقدامهن فور عودتهن للمنزل، لكن الصغيرة تلعب في الرمل بلا قيود. تعود إلى الخيمة حيث الرمل أيضًا، فممَّ ستغسلهما؟".
أما الخصوصية فهي منعدمة، "حتى أنني لا يمكنني منعها عن سماع الألفاظ البذيئة وترديدها".
"فتحت "روز" باب الخيمة وخرجت منها في منتصف الليل، "كان الأمر مرعبًا في ظل وجود بئر مفتوحة قرب المكان".
تميّزت "روز" بالمشي في وقت مبكر، فاضطر أهلها لتقييد حركتها، "حتى أنني جربتُ بكل أسف، وبشكلٍ اضطراري، ربط قدميها بحبلٍ يتيح لها التجول داخل الخيمة فقط، وكنتُ حزينةً جدًا لأجلها، إلا أن صراخها الشديد أفشل التجربة".
حدث ذلك بعدما فتحت "روز" باب الخيمة وخرجت منها في منتصف الليل، "كان الأمر مرعبًا في ظل وجود بئر مفتوحة قرب الخيمة" تزيد.
سعت الأم طويلًا لتوفير "مشاية" بعجلات لابنتها الصغيرة، لعلها تقيد حركتها قليلًا، "لكن حتى هذا لم يكن ممكنًا على أرض غير مستوية" تستدرك.
بفطرة الأنثى، تهتم روز بملابسها وترتيب شعرها، كما تقول ولاء، لكن الإمكانيات المتاحة لا تساعدها، فبدلًا من الوقوف أمام المرآة واستخدام أغراض أمها كما تفعل البنات بالعادة، هي لا تملك إلا بكلة شعر واحدة، تضعها نفسها مهما بدّلت من ملابس.
قيمة الأشياء
خالد محرم (١٦ شهرًا)، يتحسس الجدران كلما مرَّ بجوارها، ينظر إليها مندهشًا، وكأنه يتساءل: ما هذا الشيء الصلب؟ وكيف يقف ثابتًا لا تهزه أيدينا ولا نسمات الهواء؟" هذا ما تقرأه أمه في عينيه الصغيرة وإن لم يتفوه بذلك.
تقول والدته شيماء: "كل مكونات المنزل غريبة بالنسبة لابني، وهذا ما يبدو جليًا عند مقارنته بإخوته وحياتهم في البيت قبل الحرب".
"المكان غير مثالي من ناحية النظافة، وأخشى أن يبتلع شيئًا من الأرض (..) تتسخ ملابسه عدة مرات يوميًا، ولا أملك ترف تبديلها كل مرة".
وتوضح أن خيمتها منصوبة على أرض طينية، لذا عانت كثيرًا عندما بدأ صغيرها يحبو، "فالمكان غير مثالي من ناحية النظافة، وأخشى أن يبتلع شيئًا من الأرض (..) تتسخ ملابسه عدة مرات يوميًا، ولا أملك ترف تبديلها كل مرة لقلة الملابس المتوفرة" تضيف.
وتشير إلى أنه لما تعلم المشي، كانت الأرض عائقًا أمام حركته، كونها غير مستوية، فكَثُر وقوعه، حتى امتلأ جسده بالكدمات، ناهيك عن عدم توفر "مشاية" تساعده.
وتوضح أنه في بداية تعلمه المشي، كان يخرج من الخيمة والكل نيام، فتصحو لتبحث عنه بهلع، "وهذا وحده أتعبني نفسيًا" تعقب.
وتسرد محرم مواقف تدلل بها على نتائج النشأة في الخيمة، فتقول: "اصطحبت خالد لمركز صحي، خاف من البلاط ولم يُحسن المشي عليه، وبكى عندما رأى المروحة المعلقة في السقف تدور".
وتكمل: "اعتاد على رؤية الحصن والحمير في المخيم، عندما ركبت سيارة أجرة، اعترته الدهشة وظل ممسكًا بي بشدة طوال الطريق".
من مشاكل النشأة في الخيمة من وجهة نظرها انعدام الخصوصية، وصعوبة تربية الطفل وفق رغبة أبويه، فهو يختلط بالناس على مدار الساعة، ويخرج من الخيمة دون انتباههما.
"أنا غير قادرة على تعليم ابني أساسيات النظافة، يلقي نفسه على الرمل، فهو جزء من الحياة التي يعرفها، كيف أقنعه بغير ذلك؟".
وتضرب مثالًا على صعوبات التربية بالقول: "أنا غير قادرة على تعليم ابني أساسيات النظافة، يلقي نفسه على الرمل، فهو جزء من الحياة التي يعرفها، كيف أقنعه بغير ذلك؟".
وتلفت إلى أن حرمان الطفل من أغلب ما يتوفر في البيوت تجعل نظرته للأشياء مختلفة، وقيمتها تعلو بالنسبة له، كالألعاب التي يصبح حصوله على أبسطها سببًا للسعادة.
صفر خصوصية
لا تختلف بسمة (سنة و١٠ شهور) عن أقرانها، فهي أيضًا تنبهر بكل ما هو بديهي في البيوت.
تقول والدتها سوزان قطيفان: "عندما اشترينا كرسيًا، صار لعبتها التي لا تتنازل عنها، تجلس عليه ثم تنزل، وتكرر الأمر".
وتضيف: "اصطحبتُها لبيت أختي أول مرة، فأخذت تتحسس البلاط، وتضربه بالألعاب لتسمع الصوت الناتج، ولم تتوقف عن الجري في المكان حيث المساحة الواسعة بخلاف الخيمة".
وتبين أن بسمة تأخرت في المشي، وكنت أمنعها من المحاولة؛ لعدم وجود شيء تستند عليه. كانت تمسك الخيمة بيدها لتقف، فتسقط لأن النايلون ليس ثابتًا كالجدران.
"من مشاكل النشأة في الخيمة، أنها بيئة لم نختر فيها شيئًا، مهما نظُّفتها يدخلها الرمل، ومهما حاولت أن أربي أبنائي بطريقتي، فالخصوصية صفر".
وتزيد: "من مشاكل النشأة في الخيمة، أنها بيئة لم نختر فيها شيئًا، مهما نظُّفتها يدخلها الرمل، ومهما حاولت أن أربي أبنائي بطريقتي، فالخصوصية صفر، بالإضافة لانشغالي في مهام واقعنا الجديد كالعجن وغسل الملابس يدويًا".
ومن نتائج ذلك، كما تقول: "تخرجُ صغيرتي من الخيمة دون موافقتي. ترقصُ في الشارع على أنغام أغنية يشغّلُها بائع شعر البنات، وتردد كلمات غير مرغوبة".
ومع ذلك تحاول قطيفان أن تجد الحلول، كأن توفر لابنتها بدائل للألعاب، كالعُلب الفارغة والأحجار.
























