غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عامٌ بأكمله مرّ، لا جفّت الدموع ولا القلب نسي، وكيف أنسى ذلك اليوم الذي فقدت فيه اثنين من أحفادي، وعددًا من أفراد عائلتي، وأصبحت نازحة مشرّدة، بعد أن كنت أعيش في عزّ؟"، بهذه الكلمات، استهلت نهلة أبو عجوة (62 عامًا) حديثها لـ"نوى"، بينما كانت تشير إلى زوايا خيمتها القماشية التي اكتسبت بمرور الأيام لونًا أسودًا.

تعقب بمرارة: "غادرتُ بيتي المكوّن من خمسة طوابق لأعيش في بضع مترات مع عائلتي. لم يبقَ لنا سوى ذكريات الحزن".
كانت السيدة المكنّاة أم وصفي تعيش في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، في عمارة مكوّنة من خمس طوابق، مع أبنائها الخمسة، وأحفادها العشرة. كانت حياتها هادئة مستقرّة، حتى أعلنت "إسرائيل" حربها على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م. انقلبت حياتها إلى رعبٍ منذ اليوم الأول للحرب، لكن ما حدث لم يكن بالحسبان.
تقول أم وصفي: "قبل الحرب بيوم كنت في استقبال ابني الذي عاد من عمله داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، بعد غياب شهر عن بيته، ومع اندلاع الحرب، لم أفكّر في ترك بيتي رغم وجوده شرقي مدينة غزة. ظننتُ أن الحرب مسألة أيام وتنتهي، لكن القصف والرعب طال منطقتنا بكثافة منذ اليوم الأول".
يوم 13 من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، أجبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سكّان شمالي قطاع غزة، على النزوح إلى جنوبه، بزعم أن الشمال منطقة عسكرية. لم تكن أم وصفي وعائلتها قد علمت بما يجري بعد، حين فوجئت بانفجارٍ يضرب بيتها!

هنا تتدخل زوجة ابنها ميرفت لتكمل الحكاية: "كنتُ أنا في شقتّي بالطابق العلوي، ومعي طفلي آدم (شهران ونصف)، تم قصف شقّتي فوقعت تحت الركام. ساعدني ابن عمي على النهوض فأسرعت باتجاه سرير آدم، وجدته منقلبًا على وجهه بلا حركة، أمسكت به وبقيت صامتة أحضنه دون صراخ ولا بكاء ولا شيء! عرفت أنه مات، خارت قواي تمامًا ولم تصدر عني أي ردّة فعل".
بكت الشابة بمرارةٍ وهي تتذكر طفلها الوليد، كيف حضنته بعيونٍ جاحظة غير مصدّقة، تسمع من حولها صراخ العائلة وهم ينادونها كي تجيب، إن كانت على قيد الحياة أم لا، لكنها عاجزةٌ عن النطق.
وبسبب قصف شقتها لم يكن الوصول إلى مكانها سهلًا، إلى أن تمكن زوجها وشقيقه من إنقاذها، وهنا بدأت تصرخ وهي تنادي باقي صغارها، أمير، ألمى، أميرة، أين هم؟ ليجيب أحدهم: "أميرة مصابة".
"لم أصدّق، شعرتُ أن روحي تخرج من جسدي، وصلني خبر استشهاد أميرة وآدم مرة واحدة، فقدتُ صغاري هكذا في غمضة عين".
"اخترقت الكلمة أذني كالرصاص. لم أصدّق، شعرتُ أن روحي تخرج من جسدي، وصلني خبر استشهاد أميرة وآدم مرة واحدة، فقدتُ صغاري هكذا في غمضة عين"، تقول ميرفت.
من وسط دموعها عادت أم وصفي لتقول: "كان الصغار في شقتي بالطابق الأول، عمهم منتصر طالبهم أن يجلسوا هادئين، ما عدا أميرة (3 سنوات) فهي شقّية ومشاغبة، مازحها عمّها بقوله (فش إلا إنتي مش قادر عليكي)، لم تجلس مع الصغار، بل خرجت خلفه، وعندما وصل إلى سلّم البيت، حدث القصف، فألقت الضربة بمنتصر وأميرة خارج البيت كله".
هنا كانت بداية المأساة بالنسبة لأم وصفي وعائلتها، التي لم تحظَ بفرصة وداع الشهيدين، فقد كان عليهم النزوح سريعًا إلى وسط قطاع غزة. حاولوا حمل ما حضّروه من حقائب، ومع الصدمة التي تعيشها العائلة، نسوا ما حضّروه.
"عندما نزحنا، حملت معي حقائب كبيرة لآدم وأميرة، وحقيبة صغيرة لنا جميعًا، حملت كل ما حضّرته لهما، لم أصدق بعد أنهما رحلا".
تعقّب ميرفت: "حملت معي حقائب كبيرة لآدم وأميرة، وحقيبة صغيرة لنا جميعًا، حملت كل ما حضّرته لهما، لم أصدق بعد أنهما رحلا، عندما نزحنا إلى بيت أقارب في النصيرات كان البيت مزدحمًا بالنازحين، وأنا في حالة نفسية سيئة جدًا، نزحنا مجددًا إلى مدرسة قريبة، ولكن مع بؤس حياة النزوح، لم أحظ حتى بفرصة البكاء على صغاري. الغصة ستبقى عالقة في قلبي".
عودة لأم وصفي التي تعرّضت عائلتها للمزيد من الضربات، فارتقى منهم شهداء. وقبل أن تتمكن من البكاء على أحفادها وحتى على باقي أفراد عائلتها، كان عليها النزوح سريعًا إلى خيمة في مخيم للنازحين غرب مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
داخل خيمةِ أم وصفي، التي أقيمت من أغطية وشوادر نايلون، كساها الرماد بسبب الطبخ على النار، ثمّة فرصة لتجمّعها مع زوجات أبنائها، لتبادل المواساة عن حياةٍ هانئة سبق وعاشوها، حين كان يجاور بيتهم أرضًا زراعية، يتناولون منها ما شاءوا من زيتون وكمثرى وخضراوات موسمية، بينما تظلل أشجارها العالية جانبًا من بيت أم وصفي.
تقول: "ها نحن هنا في هذه الخيمة، أنشأناها من القماش والشوادر. خصوصية معدومة، ازدحامٌ شديد، لا راحة ولا كرامة، بعدما كنّا أسيادًا في بيوتنا، ها نحن الآن نتجرع وجع النزوح، البيت تضرر بشكلٍ كبير، وكلنا محشورون في هذه الخيمة".
























