غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يعد غريبًا على من يمر بركام منزل عائلة صبح في جنوب مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، أن يرى طفلةً تفتّش بين الحجارة، وتصرخ عاليًا: "بابا". تناديه لعلَّ معجزةً تحدث، ويجيبها بأنه ها هنا "حي".. تحلم بالأمر وتتخيله لدرجة أنها ترسم سيناريو احتضانه عندما يخرج إليها ويفتح ذراعيه، لكنها تصطدم بالحقيقة المرة، كلما تعرقلت بالحجارة حولها، فلا تجد منفذًا لذلك الاختناق إلا البكاء!
بدأت قصة "أنسام" (14 عامًا) في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م، حين استهدفت الطائرات الإسرائيلية منزلًا لأقارب والدها حسن صبح، الذي يعمل موظفًا في مؤسسة "أطباء بلا حدود"، وقد كان فيه زائرًا، يروّح عن نفسه ضغوط العمل والعيش تحت الإبادة.
ومن مصائب الحرب المتواصلة للعام الثاني على التوالي بغزة، أن إمكانات الدفاع المدني والطواقم الطبية باتت أضعف مما يتصوّره عاقل خارج حدود القطاع، إذ يمكن أن تمر أيام على انتشال بعض الجرحى، وفي غالب الأوقات يُدفن الشهداء تحت الركام دون قدرة على انتشال جثامينهم كاملة، أو أشلاء منها.
بعد جهود مضنية استطاع رجال الدفاع المدني انتشال ساق أبيها، حيث تعرفت عليها ببعض العلامات التي تحفظها، دون القدرة على إنقاذ ما تبقى من جثمانه الذي تفتت تحت الركام.
تتساءل الطالبة في الصف الثامن: "مضى أيام وهو تحت الركام. لا أعرف كيف كانت لحظاته الأخيرة، هل كان حيًا قبل أن يلقط أنفاسه الأخيرة بانتظار من يسعفه؟ هل يمكن أن ينتشله أحد حيًا؟ هل كان يفكر بنا؟ هل استوعب أن الأمر حقيقي أم ظنه حلمًا؟".
"أنا أكبر إخوتي، وعددنا سبعة إلى جانب أمي" -تخبرنا- وتزيد: "منذ استشهاد أبي صار الحمل ثقيلًا على قلبي. غير هم الفقدان صرت أنا مسؤولة عن شقيقاتي، يجب علي التخفيف من ألم الفراق، يجب علي أن أكون سندهم ومأمنهم وأمانهم من بعده، هذه مسؤوليتي، وهذا صار طموحي في الحياة تحت الإبادة".
"منذ بدء الحرب فقدنا معنى الحياة، استشهد أبي، تعليمي توقف، حياتي توقفت هنا، مستواي الدراسي تغير. نعيش في الخيام بدلًا من المنزل، نخاف في كل لحظة من القصف، نخاف أن نفقد أحدًا آخر".
تقول أنسام إنها "حتى وإن كانت تتنفّس، لكنها ليست حية!". وتتساءل: "كيف يحيا الإنسان بعد موت أبيه بطريقة قاسية كهذه؟".
تكمل: "منذ بدء الحرب فقدنا معنى الحياة، استشهد أبي، تعليمي توقف، حياتي توقفت هنا، مستواي الدراسي تغير. نعيش في الخيام بدلًا من المنزل، نخاف في كل لحظة من القصف، نخاف أن نفقد أحدًا آخر من عائلتنا. نخاف من كل شيء. انكسر الأمان بداخلنا بعد استشهاد بابا".
أكثر ما تتمنّاه أنسام أن تصل والدها رسالتها هذه: "نفسي أقول له أنني اشقتُ له، لماذا تركتنا؟ يا ليتك تعود مجددًا كي تأخذنا معك، الحياة من دونك أصعب وأسوأ مئة مرة. يا ليتك تعود لتأخذنا معك".
























