غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بصعوبةٍ شديدة، حاولت الشابة لينا عزّام الحفاظ على صحةِ رضيعها حسن، الذي يعاني أزمةً تنفسيةً تفاقمت بفعل وجودِ خيمة عائلته، قرب مكبٍ للنفايات في منطقة النصيرات وسط قطاع غزة.
السيدة التي نزحت مع عائلتها من حي الزيتون شرقي مدينة غزة، تنقّلت منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بين عدة أماكن حتى استقر بها الحال في خيمةٍ وسط قطاع غزة، تمامًا قربَ مكبٍ عشوائي للنفايات، تسبب في معاناةٍ للنازحين حوله.
تقول لينا وهي أمٌ لأربعة أطفال: "اختنقنا بسبب وجودنا قرب المكب. طفلتي بيسان تعاني من تضخم بالقلب، وجوان تصيبها تشنجات، والوضع ازداد سوءًا بسبب المكب ورائحته النفاذة، والأمراض الجلدية الناتجة عن انتشار الحشرات والبعوض".
ويشكو أحمد بكير من ذات المشكلة، فمنذ نزوحه من مدينة غزة، أقام خيمته قرب مكبٍ عشوائي للنفايات شرقي مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، ما تسبب في إصابة أطفاله الخمسة بأمراض جلدية.
يقول بكير الذي كان يحمل إناءً بلاستيكيًا فيه مادة لمكافحة الحشرات: "انتقلت العدوى بين أطفالي، تنقّلت بهم في عيادات الحكومة والوكالة دون وجود علاج بسبب انقطاع الأدوية، واضطررت للجوء إلى الصيدليات الخاصة، وتكلّفت مبلغًا كبيرًا لعلاجهم. أخبرني الأطباء أن السبب وجودنا قرب مكبٍ للنفايات، ورغم دخول فصل الشتاء، إلا أن الحشرات ما زالت موجودة.. بنسبة أقل، لكننا نعاني".
منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم السابع من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م، تمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إدخال المعدّات المتعلقة بعمل البلديات، وبينما يصادف السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، الذي أقرّته الأمم المتحدة لهذا الغرض، فإن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في انتهاكاته دون اكتراثٍ لأي جهةٍ دولية أو قيمٍ إنسانية.
المهندس طارق الهبّاش، مدير مجلس النفايات الصلبة في دير البلح، يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد الإضرار بالبيئة خلال الحرب على قطاع غزةَ، "فالمجلس المحلي المشترك لمنطقة وسط وجنوبي القطاع، كان يجمع قبل الحرب 650 طنًا من النفايات الصلبة يوميًا، ويُرحّلها إلى المكب الرئيس: مجمّع نفايات الفخاري شرقي مدينة خانيونس جنوبًا، وكان يتم التعامل معها بشكلٍ صحي سليم".
وفي الحروب السابقة (والحديث له) كان يتم جمع النفايات في مكبّات مؤقتة، وترحيلها لمكبّ الفخاري لاحقًا، "لكن الواقع تغيّر"، ويتابع: "الحرب تجاوزت مدتها العام، وعجزت سيارات الترحيل عن الوصول إلى المكب الرئيس الواقع ضمن المنطقة الحدودية شرقًا".
ويضيف: "تحوّلت المكبّات المؤقتة إلى عشوائية، ومع نزوح الأعداد الهائلة من مواطني مدن غزة وشمالها، إلى وسط وجنوبي القطاع، ازدادت كمية النفايات إلى ثلاثة أضعاف الكمية السابقة، إذ تجاوزت 1400 طنًا يوميًا".
إضافة إلى ذلك، حسب الهباش، فالاحتلال يمنع إدخال آليات نقل جديدة، وزيت السيارات وقطع الغيار وحاويات النفايات، ويصنّفها ضمن المواد الممنوعة، ما دفع البلديات لاستخدام قطع غيارٍ رديئة تسببت في تهالك الآليات الموجودة.
ويستدرك: "لكن وضع الترحيل تحسّن منذ إبريل 2024م، بعد تدخلاتٍ من مؤسسات دولية، ودعم القطاع الخاص بآليات جديدة"، عازيًا وجود المكبّات العشوائية إلى إنشاء النازحين خيامهم في الأماكن الفارغة بسبب محدودية المساحة، فكانت خارج النفوذ الحضري للبلديات، "لا توجد فيها حاويات نفايات ولا تدخلها الآليات،".
وأشار إلى أن عدد الحاويات التي دخلت قطاع غزة مؤخرًا لا يتجاوز 15 ، وهو عدد لا يكفي أبدًا، "حيث تستخدم إسرائيل البيئة في حربها على القطاع، من خلال المعوّقات التي تفرضها على إدخال الآليات والحاويات، ووضعها ضمن قوائم المنع، وحتى الوقود الذي يدخل برقابة شديدة من ثلاث مؤسسات دولية" يضيف.

ويؤكد أن وجود هذه المكبّات يتسبب في انتشار الحشرات والأمراض، "لكن حتى أدوات مكافحة الحشرات ممنوعة" يستدرك.
ويقول المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هشام مهنا لـ"نوى": "إن الأوضاع منذ اندلاع الحرب، أثّرت على حياة المدنيين وخاصة النازحين، في ظلِ غياب الخدمات الحيوية في قطاع غزة، بما فيها مكبّات النفايات وتراكم أطنان من النفايات الصلبة في شوارع القطاع، التي يعيش فيها النازحون بخيامٍ مهترئة".
ويتابع: "هذا ترك آثارًا خطيرة على مستوى الصحة العامة، ومن هذا المنطلق شرعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالعمل مع البلديات على تطوير برنامج العمل مقابل المال، بهدف الحدّ من انتشار النفايات الصلبة، وقامت بتشغيل 2500 عامل نظافة، بعد تدريبهم خاصة في مجال التعامل مع الأجسام غير المنفجرة".

ووفق مهنا، فإن هناك تحدّياتٍ تواجه عملهم بسبب الوضع الأمني في المحافظات الشمالية، الأمر الذي تسبب بإيقاف العمل، إضافة إلى محدودية توفّر المعدّات اللازمة في السوق المحلي، "وما زال الصليب الأحمر يسعى لجلبها من الخارج".
ويعقّب: "هذا يؤثر على فاعلية العمل ولكننا ملتزمون بالوقوف إلى جانب البلديات لمواجهة هذا التحدّي الخطير".
وتنصّ اتفاقية جنيف الرابعة، الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، على ضرورة تسهيل مرور الإرسالات الإنسانية للمدنيين.
ووفق تقرير أصدرته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في حزيران/ يونيو 2024م، فإن 330 طنًا من النفايات تراكمت في جميع مناطق قطاع غزة، ما ينذرُ بكارثةٍ صحية، خاصةً مع قربها من المستشفيات ومراكز الإيواء، بالإضافة إلى تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمركبات جمع وترحيل النفايات.
وقال التقرير "إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمركبات جمع النفايات، تسبَّبَ في انخفاض الخدمة من 98% قبل الحرب إلى 20% خلال الحرب، وأن بقاء النفايات في الشوارع تسبب في انتشار البعوض والحشرات والقوارض، التي أحدثت مشاكل صحية جسيمة، فتحلُّل هذه النفايات يؤدي لانبعاث غاز الميثان وروائح كريهة ينتج عنها أزمات تنفسية، مثل الأزمات الصدرية والقلبية والربو، وكذلك الأمراض الجلدية، إضافةً إلى أن حرقها ينتجُ عنه مواد مسرطنة".
وتقول خديجة زهران، مديرة الرقابة على السياسات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان: "إن إسرائيل قامت بانتهاك كامل ضد البيئة الفلسطينية في قطاع غزة، من خلال العديد من المؤشرات. عمليات الهدم للمباني والمستشفيات والمرافق العامة، وتراكم الركام، واستخدام الأسلحة الممنوعة دوليًا، وغير ذلك".
وتابعت: "إسرائيل دمرت مكبات النفايات في قطاع غزة، التي كانت تعاني من مشكلة أصلًا قبل الحرب نتيجة الحصار المشدد، لكنها تفاقمت في الحرب، بفعل قطع التيار الكهربائي وتدمير كافة المرافق الخاصة بالمجالس المحلية ومكبات جمع النفايات الصلبة، نتيجة القصف المستمر وخطورة عملية الجمع على العاملين".
وشرحت بأن هذا تسبب في تراكم أطنان من النفايات الصلبة داخل قطاع غزة، مؤكدة إن دولة الاحتلال لا تستجيب للحد الأدنى من القرارات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان.
وأشارت إلى أن مؤسسات حقوق الإنسان تعمل على جمع وتوثيق جرائم الاحتلال، من أجل المناصرة الدولية، والتوجّه إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وتقوم بتزويد المحكمة الدولية بهذه البيانات بشكل دوري.
























