غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"اشتقنا لبيتنا وتعبنا من الخيام والنزوح.. صحيح خطر، لكن بيضل اسمه بيتنا"، بهذه الكلمات المؤثرة بدأت هبة العقاد وصف مشاعرها المتضاربة، بعد عودتها إلى منزلها المدمر جزئيًا بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.
بين الخوف على حياتها، والحنين للعودة إلى المكان الذي ما تزال تعدّه "بيتًا" رغم كل ما غيّرته الحرب به، وخطورة الحياة فيه في ظل اهتزازه تزامنًا مع كل قصفٍ قريب، تجسد كلماتها حيرة آلاف العائلات النازحة، التي تجد نفسها مجبرةً على العودة إلى بيوتٍ غير صالحةٍ للسكن، مع ندرة البدائل، وصعوبة الحياة في الخيام والمآوي المؤقتة.
كثيرون كهبة، اختاروا العودة إلى منازلهم المدمرة، وسط غيابٍ شبه تام للمساعدات والخدمات الأساسي، وهذا ما حدا بـ"نوى" للتجول بين أطلال البيوت والركام في المدينة الجنوبية، والالتقاء ببعض المواطنين العائدين إلى بيوتهم، لإلقاء الضوء على معاناتهم اليومية، وسط تحذيرات خبراء الهندسة من خطورة بقائهم في هذه البيوت الآيلة للسقوط في أية لحظة.
تؤكد هبة أنها تعبت من الخيام، والنزوح، والركض المستمر هربًا من الخطر. قالت وهي تلقي برغيف خبز في فرن الحطب: "برغم شح المياه وعدم توفر المساعدات التي كنت أتلقاها بشكل أكبر في المخيم، وبرغم المخاطر، أجد في بيتي راحة نفسية أكبر"، مردفةً بأسى: "نتمنى أن نرجع لحياتنا الطبيعية، وأن نُدرِّس أولادنا ونعيش بأمان".
ويحكي مراد السقا، الذي عاد إلى منزله المدمر جزئيًا، كيف اخترقت الخيمة التي كانت تؤويه خلال الصيف، وقال: "لا أريد خيمةً أخرى، هذا بيتي، ولا أريد أن أعيش لاجئًا في وطني".
يعيش مراد الآن في غرفة واحدة، بينما يغطي باقي المنزل بستائر بدلًا من الجدران التي انهارت، مؤكدًا أنه رغم هذه الظروف الصعبة يشعر بالأمان في منزله.
وعبر عن امتنانه لزوجته لأنها كانت الداعم الأكبر له في قرار العودة، ولتحملها أعباء الحياة في المنزل المتضرر، "حيث ساعدت في تنظيف الركام ورعاية الأولاد".
ورغم غياب الخدمات الأساسية كالمياه والصرف الصحي، وعدم تلقي العائلة أية مساعدات، يقول مراد بحزم: "أنا مصر على البقاء في بيتي. على أي شاكلةٍ كان، يبقى أفضل بكثير من حياة الخيمة".
أما محمد شراب، فيعيش في بيتٍ سقطت جُدارنه ودُمر مدخله بالكامل، مما يضطره إلى الصعود والنزول عبر كومة من الركام خلّفها انهيار منزل جاره على مدخل منزله.
هذه القصص الواقعية المشحونة بالمشاعر لها جانب آخر مظلم، فبرغم مضمونها المعنوي السامي، إلا أنها وقصص كثيرة أخرى غيرها مشاريع كوارث، فهؤلاء المواطنين الهاربين من الموت في الخيام المحترقة، قد يصبحون في أية لحظة ضحايا لسقوط المباني المتضررة.
عرضت "نوى" صور المنازل المتضررة المأهولة على المهندسة سمر يوسف إسماعيل، مدير الدائرة الهندسية بجامعة الأقصى، وسألتها عن مدى مأمونية العيش فيها، فأفادت أن كل المباني التي تعرضت للتدمير، سواء كان ذلك جزئيًا أو كليًا، تشكل خطرًا على حياة سكانها.
وأوصت بضرورة الابتعاد عنها فورًا، حتى يتمكن المختصون من تقييم الوضع وتقديم التوصيات اللازمة.
توضح إسماعيل أن غزة تمر بظروف استثنائية، حيث دمر الاحتلال 80% من المباني بالكامل وفقًا لتقرير المركز الأورومتوسطي، هذا بالإضافة لتدمير كامل للبنية التحتية، مما جعل نسبة كبيرة من الأحياء غير صالحة للسكن، "ولهذا ارتفعت تكاليف إيجار البيوت الصالحة للسكن بشكل يعجز السكان عن تحمله في ظل تدهور ظروفهم الاقتصادية" تضيف.
وتتابع: "المباني التي تعرضت لتدمير جزئي قد تكون أكثر خطرًا مما تبدو عليه، ويمكن أن تنهار في أية لحظة نتيجة القصف أو الرياح القوية".
وتؤكد أن هناك أضرارًا خفية لا يستطيع تمييزها سوى المهندس المختص، مثل اعوجاج الأعمدة أو ميلها الطفيف الذي قد لا يكون واضحًا، مبينةً أن أبرز العلامات التي تشير إلى خطورة المباني، هي الشروخ الكبيرة في الأعمدة أو جسور السقف، والميول الملحوظة، وظهور الحديد المتشابك أو الكتل الخرسانية المتضررة.
تحذر إسماعيل من خطورة العيش حتى في الشقق السليمة داخل مبنى يعاني من مشاكل في هيكله الإنشائي، "حيث يمكن أن يؤدي خلل في الشقق السفلية إلى انهيار المبنى بأكمله".
وتقول: "إذا أصابت الأضرار الهيكل الإنشائي للمبنى، فإنه يجب إخلاؤه فورًا، لأن انهياره قد يكون وشيكًا، محذرةً من خطورة العيش حتى في الشقق السليمة داخل مبنى يعاني من مشاكل في هيكله الإنشائي، "حيث يمكن أن يؤدي خلل في الشقق السفلية أو العلوية إلى انهيار المبنى بأكمله".
وناشدت إسماعيل الأهالي بالابتعاد عن المباني المتضررة، مؤكدة أن "العيش في الخيمة، رغم قساوته، أهون من الموت تحت أنقاض المباني المنهارة مثلما حدث في منزل آل أبو العمرين بالقرب من بركة الشيخ رضوان في مدينة غزة".
وتنصح من يضطرون للبقاء في منازلهم المتضررة بالتأكد من سلامتها عبر عرضها على مختصين هندسيين -إن أمكن- لتقييمها.

وصرّح مصدرٌ من لجنة الطوارئ في وزارة الأشغال العامة والإسكان لـ"نوى" -رفض الإفصاح عن اسمه لأسباب أمنية- أن الوزارة سخرت آلياتها ومعداتها لإزالة الأنقاض بالتعاون مع الدفاع المدني، وفتح الطرق وتسوية الشوارع والصيانة العاجلة للبنى التحتية بمشاركة البلديات.
وأوضح أن هذه الجهود استمرت في ظل تحديات قاهرة أبرزها الاستهداف المباشر والمتعمد لطواقم وآليات الوزارة، "فقد ارتقى وأصيبت ثلة من خيرة الكوادر أثناء تأدية مهامهم، وتعطلت معظم الآليات أيضًا".
وأضاف المصدر: "تمت معاينة وتحديد آلاف المباني الخطرة بالتنسيق مع البلديات ولجان الأحياء، وتم تحذير المواطنين من السكن في المنازل الآيلة للسقوط، أو التي لم يتم البت بأمرها، لحاجتها لفحوصات واختبارات هندسية.

ونبه إلى عدم قدرة الوزارة على التعامل مع مشكلة المخلفات غير المنفجرة للقصف الإسرائيلي، التي ورد في العديد من التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، أنه تم رصدها في المباني المهدورة والمتضررة، مؤكدًا أنها "مشكلة كبيرة" تتطلب متابعة من الجهات المختصة لضمان سلامة المواطنين.
ويمكن للمواطنين رؤية سيارات البلدية وطواقمها يعملون في شوارع خانيونس، لكن جهودهم تبدو للمواطنين محدودة وضئيلة وبطيئة في ظل قسوة الواقع واستمرار الحرب.
ورغم المخاطر اليومية والمخاوف المتزايدة من انهيار المنازل جزئيًا أو كليًا، تبقى هذه العائلات متمسكة بأمل العودة إلى حياتها الطبيعية، تحت الخطر، وبين الركام، على أمل انتهاء الحرب، ونهوض القطاع من جديد على ركام مآسيه المريرة.
























