شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:54 بتوقيت القدس

قتلوها وردموا جثتها بدبابة..

جباليا.. حين لم تشفع الراية البيضاء لـ"لينا" برشفة ماء!

03 نوفمبر 2024 - 10:35
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بماذا كانت تفكر لينا؟ غالبًا لن نجد للسؤال إجابة وقد ارتقت شهيدة، وتخضبت رايتها البيضاء بدمائها البريئة.

من يدري؟ لعلها كانت تظن أن هذه الراية قد توفر لها الحصانة في وجه جيشٍ دموي لا يرحم، ولا يكترث لعهود أو قوانين أو مواثيق. يمارس القتل صنوفًا في حربه الشرسة المتصاعدة للعام الثاني ضد قطاع غزة.

خرجت لينا للبحث عن بعض الماء والطعام وهي تحمل الراية البيضاء فاستهدفتها "كواد كابتر" بعدة رصاصات حتى تهاوت على الأرض شهيدة.

عندما شعرت لينا شعبان بالجوع والعطش يفتكان بجسدها النحيل، وبأسرتها المحاصرة في جباليا البلد شمالي القطاع، أخذت قرارها الذي لا تدرك الآن -وقد رحلت- أنه كان مغامرةً أودت بحياتها، عندما لوحت براية بيضاء وأطلت من منزلها تصرخ طلبًا للنجدة والماء والطعام.  

لم تبعد لينا عن منزلها في شارع "عبد ربه" سوى أمتار قليلة، وإذا بواحدة من مسيّرات الموت التي تعرف باسم "كوادكابتر" يتحكم بها جندي أغمض عينيه عن رايتها البيضاء، وقرر في لحظة إجرام إعدامها ميدانيًا بعدة رصاصات اخترقت جسدها، حتى تهاوت على الأرض شهيدة.

ظلت أسرة لينا تراقب المشهد القاسي بعجز، وإمعانًا بالتنكيل بعد القتل، تقدمت آليات عسكرية إسرائيلية نحو جثتها الشابة وأهالت فوقها التراب.

تقول "أم عمر" في شهادتها على هذه الجريمة: "مكث الوالد المكلوم ساكنًا مكانه يراقب جثة ابنته لساعات من نافذة ولم يتمكن من فعل شيء، حتى قرر المغامرة واندفع نحوها وسحبها إلى داخل المنزل".

تفضل هذه الشاهدة، وتربطها علاقة قرابة بأسرة "الشهيدة لينا"، عدم ذكر اسمها كاملًا خشية الاستهداف الإسرائيلي. عن هذه الأسرة تقول: "إنها بسيطة ومسالمة وهادئة، وقد ابتُليت في عددٍ من أفرادها وبينهم لينا بالإعاقة، ومشكلات صحية وراثية أخرة".

وحتى يوم "إعدام لينا"، كانت هذه الأسرة متمسكة بالبقاء في منزلها شمال قطاع غزة وعدم مغادرته، رغم المخاطر الشديدة الناجمة عن الهجوم البري الإسرائيلي على مخيم جباليا المجاور.

ووفقاً لأم عمر فإن بضع أسر في المنطقة ذاتها فضلت كذلك البقاء وعدم النزوح.

ظلت جثة لينا ملقاة على الأرض يغطيها التراب لبضع ساعات حتى تمكن والدها من الانطلاق نحوها وسحبها إلى داخل المنزل.

منذ هذا الهجوم الذي بدأته قوات الاحتلال في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري على مخيم جباليا في سياق عملية برية هي الثالثة خلال بضعة شهور، استشهد أكثر من ألف فلسطيني بينهم نساء وأطفال وذوي احتياجات خاصة، وأصيب أكثر من ضعف هذا العدد بجروح متفاوتة، بحسب توثيق هيئات محلية ودولية.

وعلاوة على القتل، فإن الغزيين في مخيم جباليا ومناطق شمالي القطاع يتضورون جوعًا وعطشًا، وقوات الاحتلال تمنع عنهم كل سبل الحياة، وربما تكون لينا فاضلت بين الموت جوعًا أو قتلًا، فاختارت أن ترتقي شهيدة برصاصة.

وظلت جثة لينا ملقاة على الأرض يغطيها التراب لبضع ساعات حتى تمكن والدها من الانطلاق نحوها وسحبها إلى داخل المنزل.

تضيف أم عمر: "هذه الجريمة وقعت في الأسبوع الثاني من حصار مخيم جباليا، وقد غامر والدها ومعه شقيقها أسامة الذي أصيب برصاصة في اليوم ذاته بسحب جثتها لحمايتها من نهش الكلاب والحيوانات الضالة، التي التهمت جثامين الشهداء الملقاة في الشوارع".

احتفظت الأسرة بجثمان لينا في غرفة وأحكمت إغلاقها، وفي صبيحة اليوم التالي للجريمة، انضم أفرادها إلى بضع أسر من الجيران، الذين رفعوا رايات بيضاء ونزحوا عن المنطقة نحو مدينة غزة.

وحسب شهادة أم عمر، فإن الطريق أمامهم كانت مفروشة بجثث ممزقة لشهداء أكلتها الكلاب وبدت كهياكل عظمية.

وبكثير من التأثر تضيف: "الأوضاع في جباليا وشمال القطاع كارثية، والناس تموت من القصف والجوع، ولا تجد اللقمة أو شربة الماء، ومن يموت لا يجد حتى من يدفنه".

وليس معلومًا على وجه الدقة عدد جثث الشهداء الملقاة بالشوارع، غير أن تقديرات طواقم الإسعاف والدفاع المدني تشير إلى أنها بالعشرات.

ووثقت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني عشرات المجازر الجماعية بحق العائلات الفلسطينية، وجرائم الإعدام الميداني، التي تسببت في مسح عائلات بأكملها من السجل المدني، ذلك خلال أسابيع العملية البرية الحالية ضد جباليا ومناطق شمال القطاع.

ويؤكد رئيس الهيئة المحامي صلاح عبد العاطي، ارتكاب جيش الاحتلال جرائم إعدام ميداني بحق أعداد غير معلومة من النازحين، ويضع كل هذه الجرائم في سياق خطة إسرائيلية هدفها التهجير القسري لنحو 200 ألف فلسطيني في بلدة جباليا ومخيمها، وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون.

كاريكاتـــــير